وفقاً لتقديرات الفريق البحثي، فإن انتشار هذه المركبات لم يكن مدفوعاً بملوثات التربة وحدها، إذ ساهمت العمليات العسكرية والانفجارات في إطلاقها جوّاً، لتتكفل الرياح بنقلها وترسيبها في الأراضي الزراعية القريبة.
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود مواد كيميائية تُعرف باسم "PFAS"، أو ما يُطلق عليها "المواد الكيميائية الأبدية"، في محاصيل بطاطس مزروعة في منطقة غلاف غزة.
ووفقاً للباحثين، فإن هذا التلوث قد يكون مرتبطاً بالانفجارات والعمليات العسكرية، التي يُعتقد أنها ساهمت في إطلاق هذه المواد وانتشارها في الهواء والتربة، قبل أن تستقر لاحقاً في الأراضي الزراعية.
وأظهرت الدراسة وجود مركبات PFAS في جميع عينات أوراق البطاطس التي جُمعت من حقول في غلاف غزة، كما تم رصدها أيضاً في معظم درنات البطاطس (الجزء القابل للاستهلاك) ولكن بتركيزات أقل.
ووفقاً لتقديرات الفريق البحثي، فإن انتشار هذه المركبات لم يكن مدفوعاً بملوثات التربة وحدها، إذ ساهمت العمليات العسكرية والانفجارات في إطلاقها جوّاً، لتتكفل الرياح بنقلها وترسيبها في الأراضي الزراعية القريبة.
ما هي مواد PFAS ولماذا تُثير القلق؟
تُعد مواد "PFAS" مجموعة واسعة من المركبات الكيميائية التي تتميز بقدرتها الكبيرة على مقاومة التحلل، سواء في البيئة أو داخل جسم الإنسان، وهو ما جعلها تُعرف باسم "المواد الكيميائية الأبدية".
وتدخل هذه المواد في العديد من الاستخدامات اليومية، مثل مواد التغليف، والأقمشة المقاومة للماء، وأواني الطهي المطلية بالتفلون، ومستحضرات التجميل، والبلاستيك.
كما تُستخدم أيضاً في رغوات إطفاء الحرائق، خاصة في المطارات والقواعد والمواقع العسكرية.
وتكمن خطورتها في أنها تتراكم تدريجياً في البيئة وفي جسم الإنسان، ولا تتحلل بسهولة.
وقد ربطت أبحاث علمية بين بعض أنواعها وبين أمراض خطيرة، من بينها السرطان ومشاكل صحية أخرى.
كيف تنقل الذخائر العسكرية التلوث الكيميائي؟
تطرح الدراسة فرضية علمية مفادها أن هذه المواد السامة قد تنطلق إلى الغلاف الجوي أثناء الانفجارات، وذلك لأن بعض الذخائر والمعدات العسكرية تحتوي في تركيبتها على مركبات "PFAS" بنسب تتراوح بين 1% و3% من إجمالي وزن المتفجرات، كما تُستخدم هذه المواد في جزء من الذخائر المنتشرة عالمياً.
وبناءً على هذه الفرضية، يرى الباحثون أن العمليات العسكرية المستمرة بالقرب من الأراضي الزراعية قد تكون ساهمت بشكل مباشر في انتشار هذه الملوثات عبر الهواء، ما أدى إلى تلوث المحاصيل الزراعية في المناطق المجاورة.
وللتحقق من ذلك، قام الفريق البحثي بتحليل عينات من 34 حقلاً زراعياً في منطقة غلاف غزة، إلى جانب 3 حقول مرجعية في منطقة رعنانا.
وجاءت النتائج لتدعم هذه الفرضية، إذ تبيّن أن أوراق البطاطس في غلاف غزة تحتوي على تركيزات من مركبات "PFAS" المتطايرة، وخاصة مادة "PFBA"، أعلى بنحو 10 مرات مقارنة بالمناطق المرجعية.
كما كشفت البيانات أن مستويات التلوث في أوراق النبات كانت أعلى بكثير من مستوياتها في التربة، ما يشير إلى أن المصدر الرئيسي للتلوث هو الترسب الجوي عبر الهواء، وليس الامتصاص المباشر عبر الجذور.
أما بالنسبة لدرنات البطاطس، أي الجزء المخصص للاستهلاك البشري، فقد سجلت مستويات أقل من هذه المواد، بمتوسط يقارب 0.15 نانوغرام لكل غرام. ومع ذلك، شدد الباحثون على أنه لا يمكن حتى الآن تحديد "مستويات آمنة" دقيقة للتعرض لهذه المركبات، نظراً للحاجة إلى مزيد من الدراسات السمية المعمقة.
ومن جهتها، أكدت وزارة الصحة الإسرائيلية أنها أجرت مسوحات أولية شملت الخضروات والمياه والتربة، ورصدت نتائج أولية تشير إلى وجود مؤشرات تستدعي مزيداً من البحث والتقييم. كما أوضحت أن هناك تبايناً في مستويات التلوث بين المحاصيل المروية بالمياه العذبة وتلك المروية بمياه الصرف أو المياه المشتبه بتلوثها، معلنة أنها ستنشر تقريراً نهائياً وشاملاً في وقت لاحق بعد استكمال الدراسات.
السموم تتسرب إلى التربة ومصادر المياه
رصدت الدراسة مركبات PFAS في جميع عينات التربة التي خضعت للفحص على امتداد مسافة تصل إلى 19 كيلومتراً من الحدود، بما في ذلك مواد مصنفة عالمياً بأنها مسرطنة محتملة مثل PFOS وPFOA.
وامتدت تداعيات لتشمل الشريان المائي، حيث أظهرت بيانات داعمة أن نحو 15% من آبار مياه الشرب تحتوي على بقايا من مركبات "PFAS" بمستويات تتجاوز الحدود التنظيمية المسموح بها، ما دفع السلطات إلى إغلاق عدد من هذه الآبار كإجراء احترازي.
كما بينت المعطيات أن حوالي 70% من مصادر المياه المخصصة للزراعة أصبحت ملوثة بهذه المركبات فوق الحد المسموح.
وتزداد خطورة الوضع بالنظر إلى أن ما يقارب نصف المياه المستخدمة في القطاع الزراعي يعتمد على مياه الصرف الصحي المعالجة، وهو ما يرفع من احتمالات انتقال التلوث إلى المحاصيل.
ويحذّر الباحثون من أن أزمة "PFAS" باتت ذات طابع عالمي عابر للحدود، نتيجة عقود من الاستخدام الصناعي والاستهلاكي المكثّف، إلى درجة أنها أصبحت تُكتشف حتى في بيئات طبيعية لم تكن ملوّثة سابقاً.
وأوضح أحد العلماء المشاركين في الدراسة أن تعرّض الإنسان لهذه المواد بات واسع النطاق، إذ يأتي من مصادر يومية متعددة تشمل الغذاء والمياه والهواء، إضافة إلى الملابس وأدوات المطبخ، مشيراً إلى أن الحد من التعرض وتقليص استخدام المنتجات المحتوية عليها يمثل حالياً الخيار الأكثر فاعلية.