تُجسّد دبابة ليوبارد 2 مزيجاً من قوة النيران المتقدمة، ومستويات الحماية العالية، والقدرة على الحركة. غير أن الحرب الأوكرانية، أبرزت تحديات جديدة، ما فرض قيوداً على نطاق استخدامها وفعالية توظيفها العملياتي.
عند تناول مسألة "أفضل" دبابة قتال رئيسية في العالم، يبرز أنه لا توجد إجابة، نظراً لتباين بيئات القتال، وتعدد سيناريوهات الاستخدام، واختلاف العقائد العسكرية بين الجيوش.
ومع ذلك، تُصنّف دبابة ليوبارد 2 الألمانية على نطاق واسع كأحد أبرز النماذج القياسية في هذا المجال، خصوصاً في نسخها الحديثة مثل A7A1 وA8. وتُعد هذه الإصدارات من بين الأكثر تطوراً من حيث منظومات الحماية والقوة النارية وإدارة المعركة.
ومن أهم المستجدات التقنية في نسخة A8 إدماج نظام الحماية النشط Trophy، الذي يعتمد على رادارات متقدمة لرصد التهديدات القادمة، مثل المقذوفات المضادة للدروع، والعمل على اعتراضها وتحييدها قبل وصولها إلى الهدف، ما يعزز بشكل كبير قدرة الدبابة على البقاء في ساحة القتال.
يُصنَّع نظام الحماية النشط "Trophy" من قبل شركة رافائيل الإسرائيلية، وقد تم اعتماده عملياً على دبابات ميركافا 4 في الخدمة الإسرائيلية، كما جرى دمجه أيضاً في بعض نسخ دبابة M1A1 أبرامز الأمريكية.
وبشكل عام، تُصنَّف دبابة ليوبارد 2 كواحدة من أكثر الدبابات توازناً من حيث الجمع بين قوة النيران، ومستوى الحماية، وقدرات الحركة. ويعزز هذا التوازن مدفعها الأملس عيار 120 ملم، إلى جانب منظومة دروع مركبة حديثة، فضلاً عن التحديثات المستمرة التي تشمل أنظمة الاستشعار، والحرب الشبكية، وتقنيات الحماية النشطة.
وقد صُممت ليوبارد 2 أساساً لتناسب بيئة العمليات الأوروبية، ما يمنحها قدرة عالية على المناورة وكفاءة لوجستية ملحوظة. كما يسهم محركها العامل بالديزل في تسهيل عمليات الصيانة والإمداد في الميدان، الأمر الذي يجعلها مناسبة للعمليات الممتدة والانتشار في تضاريس متنوعة، من المناطق الحضرية إلى الغابات والمناطق المفتوحة.
ليوبارد في أوكرانيا
يمتلك الجيش الألماني حالياً حوالي 300 دبابة من طراز ليوبارد 2. وقد تم تقديم طلبية شراء 123 مركبة من طراز A8، والتي سيتم تسليمها اعتباراً من عام 2027 - في البداية إلى اللواء المدرع 45 في ليتوانيا. ومنذ عام 2023، سلمت الحكومة الألمانية 18 دبابة ليوبارد إلى أوكرانيا من مخزونها الخاص.
وعلى الرغم من أن الدبابة عنصر أساسي للقوات المسلحة الأوكرانية، إلا أن بروتوكولاً مسرباً من وزارة الدفاع الألمانية العام الماضي أظهر أن الجنود الأوكرانيين يواجهون صعوبات مع دبابة ليوبارد 2. وتعتبر هذه الدبابة قوية، ولكن تصميمها المعقد يجعل إصلاحها في الميدان أكثر صعوبة إلى حد كبير، مما يعني أن المركبات المعطوبة غالباً ما يتعين نقلها إلى ما وراء خط الجبهة أو حتى إلى الخارج، كما ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأنظمة القليلة التي تم توريدها معرضة لهجمات الطائرات بدون طيار، وأحياناً ما يتم استخدامها كمدفعية فقط.
ووفقًا للتقرير، فقد تم تصميم ليوبارد 2 للقتال مع الدعم الجوي وهو ما تفتقر إليه أوكرانيا في كثير من الأحيان. وتؤثر مشاكل مماثلة أيضًا على الدبابات الغربية الأخرى مثل أبرامز أو تشالنجر 2: متطلبات الصيانة العالية، والخدمات اللوجستية المعقدة ومحدودية توافرها تحد من فائدتها في الحرب.
المنافسة لا تنام أبداً
طورت كوريا الجنوبية أيضًا واحدة من أحدث الدبابات في العالم، وهي دبابة K2 بلاك بانثر. وهي تجمع بين القدرة العالية على الحركة العالية والإلكترونيات المتطورة والأنظمة الآلية، وغالباً ما توصف بأنها واحدة من أكثر دبابات القتال تقدماً من الناحية التكنولوجية.
تُعد دبابة M1A2 أبرامز إحدى أبرز دبابات القتال الرئيسية في الترسانة الأمريكية، حيث تمثل ثقلاً عسكرياً في ميدان المعركة بفضل قوة نيرانها العالية وسجلها القتالي الممتد لعقود، لا سيما في عمليات مثل العراق وأفغانستان.
في المقابل، تُواجه هذه الدبابة بعض التحديات المرتبطة بالجوانب اللوجستية، إذ تتميز بوزن ثقيل واستهلاك مرتفع للوقود، إضافة إلى تعقيد تقني نسبي، وهو ما قد يحدّ من مرونتها التشغيلية في بعض البيئات القتالية.
وقبل نحو ثلاث سنوات، ومع النقاشات داخل الإدارة الأمريكية بشأن تزويد أوكرانيا بهذه الدبابة، أشار مسؤولون إلى أن أبرامز تتطلب تدريباً مكثفاً وصيانة معقدة، فضلاً عن استهلاكها الكبير للوقود بسبب اعتمادها على محرك توربيني غازي.
ورغم هذه التحفظات، اتُّخذ القرار لاحقاً، وفي سبتمبر/أيلول 2023 وصلت أولى دبابات أبرامز إلى أوكرانيا، لتدخل بذلك ساحة الحرب ضمن إطار الدعم العسكري الغربي المقدم لكييف.
يوفّر مثال من ليتوانيا في فبراير/شباط صورة واضحة عن كيفية تشغيل دبابات أبرامز M1A2 ضمن إطار التعاون والتنسيق داخل حلف الناتو. فبحسب منصة DVIDS الإعلامية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، شارك جنود من الجيشين الأمريكي والألماني في دورة تدريبية مشتركة استمرت أسبوعين.
وفي إطار هذا التبادل الثنائي، أُتيحت لرقيب أول ألماني برتبة رائد فرصة الاطلاع الميداني على دبابة القتال الأمريكية M1A2 أبرامز، بل وتشغيلها عملياً تحت إشراف مباشر. في المقابل، قدّم المدربون الألمان خبراتهم في مجالات الرماية وكفاءات المدرعات للجانب الأمريكي، ضمن بيئة تدريبية تفاعلية.
ويهدف هذا النوع من التمارين المشتركة إلى تعزيز مستوى التنسيق ورفع قابلية التشغيل البيني بين قوات الحلف، بما يضمن فاعلية أعلى في العمليات المشتركة.
ورغم تصاعد المنافسة بين منصات الدبابات الغربية، لا تزال الإصدارات الحديثة من ليوبارد 2 تُصنّف لدى العديد من الخبراء كواحدة من أكثر الدبابات توازناً في الغرب. في المقابل، تتواصل جهود التطوير في الصناعة الدفاعية الأوروبية، حيث تعمل شركة راينميتال الألمانية على تطوير الجيل الجديد من المدرعات KF51 "بانثر"، المزمع تزويدها بتسليح أقوى، وقدرات رقمية متقدمة، وإمكانية دمج أنظمة غير مأهولة.
ومع ذلك، تبقى مسألة تحديد "أفضل" دبابة في نهاية المطاف مرتبطة بطبيعة المهمة وسيناريو الاستخدام أكثر من ارتباطها بتفوق تقني مطلق.