تعتمد إيطاليا بشكل كبير على الإمدادات من الغاز، خصوصا لإنتاج الكهرباء. وسعت مؤخرا إلى تعزيز علاقاتها مع الجزئر مورّدها الرئيسي للغاز.
دعا الرئيس التنفيذي لمجموعة "إيني" الإيطالية للطاقة، كلاوديو ديسكالزي، إلى إعادة النظر في قرار حظر واردات الغاز الروسي إلى أوروبا، والمقرر تطبيقه مطلع عام 2027، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه إمدادات الطاقة في القارة، خصوصًا مع تعطل الإمداد عبر مضيق هرمز.
ونقلت وكالة فرانس برس عن ديسكالزي قوله: "أعتقد أنه من الضروري تعليق الحظر، الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير 2027، على 20 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال من روسيا"، مشددًا على أهمية هذا الحجم من الإمدادات في توازن السوق الأوروبية.
وجاءت تصريحات المسؤول الإيطالي في سياق حديثه عن صعوبات تأمين الغاز لأوروبا، خاصة مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط والتأثيرات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لنقل الطاقة عالميًا.
وأوضح ديسكالزي أن تأثير الأزمة يطال بشكل أساسي قطاع الغاز، قائلاً: "أعتقد أن بعض المنتجات لن تواجه أي مشاكل، فالغاز هو المتأثر، وليس البنزين".
وأضاف: "تكمن المشكلة في وقود الطائرات. نعلم أن العديد من الدول بدأت بالفعل في خفض استهلاكها. نحن بحاجة إلى إعادة فتح المضيق".
وتعتمد إيطاليا بشكل كبير على الغاز، خصوصًا في إنتاج الكهرباء، ما دفعها في الفترة الأخيرة إلى تعزيز شراكاتها مع الجزائر، التي تُعد من أبرز موردي الغاز لها.
وفي ما يتعلق بإمدادات الغاز البديلة، أشار ديسكالزي إلى أن بلاده كانت تستورد نحو 6.5 مليار متر مكعب من قطر، إلا أنها تعمل حاليًا على تعويض هذه الكميات عبر مصادر أخرى، تشمل أنغولا ونيجيريا والكونغو والولايات المتحدة، لافتًا في الوقت نفسه إلى استمرار وجود شحنات من الغاز الروسي سُمح بتداولها.
عقوبات أوروبية
وردًا على الغزو الروسي لأوكرانيا، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة حاسمة في مسار تقليص اعتماده على الطاقة الروسية، إذ انتقل من مرحلة التوصيات السياسية إلى فرض حظر قانوني ملزم على واردات الغاز الروسي، بدأ دخوله حيّز التنفيذ تدريجيًا في عام 2026.
ووافقت دول الاتحاد في 26 يناير/كانون الثاني الماضي رسميًا على خطة شاملة تقضي بوقف استيراد الغاز الروسي بجميع أشكاله، سواء عبر الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال، ما جعل هذا التوجه التزامًا قانونيًا لا رجعة فيه بعد أن كان جزءًا من أهداف خطة "REPowerEU".
ووضعت بروكسل جدولًا زمنيًا تدريجيًا لتنفيذ القرار، يراعي العقود القائمة ومتطلبات أمن الطاقة، حيث بدأ تطبيق الحظر على واردات الغاز المسال الروسي المرتبطة بالعقود قصيرة الأجل في أبريل/نيسان 2026، على أن يشمل الحظر إمدادات الغاز عبر الأنابيب للعقود القصيرة في يونيو/حزيران من العام نفسه.
وفي مطلع عام 2027، سيدخل الحظر الكامل على الغاز المسال، بما في ذلك العقود طويلة الأجل، قبل أن يصل إلى مرحلته النهائية في سبتمبر/أيلول 2027، حيث سيتم وقف جميع واردات الغاز عبر الأنابيب بشكل كامل، باستثناء حالات الضرورة القصوى المرتبطة بتخزين الغاز.
ورغم هذا التوجه الجماعي، واجه القرار معارضة من بعض الدول، لا سيما المجر وسلوفاكيا، نظرًا لاعتمادهما الكبير على الغاز الروسي. وقد لوّحت بودابست باللجوء إلى القضاء الأوروبي للطعن في القرار. ومع ذلك، تم تمرير الحظر بأغلبية داخل الاتحاد، ما أتاح اعتماده كإجراء ملزم لجميع الدول الأعضاء.
ولتأمين الالتزام بهذا القرار، أقر الاتحاد الأوروبي عقوبات مالية صارمة بحق الشركات المخالفة، تشمل غرامات لا تقل عن 40 مليون يورو، أو ما يصل إلى 3.5% من إجمالي مبيعات الشركة السنوية، في خطوة تهدف إلى ضمان التنفيذ الكامل للحظر وتعزيز استقلالية الطاقة الأوروبية.
مضيق هرمز يلقي بظلاله
ويأتي الجدل الأوروبي حول مستقبل واردات الغاز الروسي في ظل أزمة طاقة حادة تعيشها القارة منذ مطلع عام 2026، بعد إغلاق مضيق هرمز نتيجة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران.
وأدى هذا التطور إلى تعطيل أحد أهم مسارات إمدادات الطاقة العالمية، ما زاد الضغوط على أوروبا التي كانت تحاول أساسًا تعويض النقص الناجم عن تراجع الغاز الروسي.
وكانت أبرز التداعيات مرتبطة بفقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر، التي تعتمد بالكامل على المرور عبر مضيق هرمز.
ومع توقف الشحنات، وجدت دول أوروبية مثل إيطاليا وفرنسا وبلجيكا نفسها أمام نقص مفاجئ في الإمدادات، ما انعكس سريعًا على الأسواق.
ونتيجة لذلك، قفزت أسعار الغاز بشكل حاد، حيث تضاعفت تقريبًا خلال أسابيع، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
وتفاقمت حدة الأزمة بسبب توقيتها الحساس، إذ جاءت في أعقاب شتاء قاسٍ استنزف مخزونات الغاز الأوروبية، التي تراجعت إلى مستويات منخفضة، ما جعل القارة في وضع هش أمام أي اضطراب جديد في الإمدادات.
وأعاد هذا الوضع إلى الواجهة مخاوف التضخم وعرقل خطط التعافي الاقتصادي، حيث اضطر البنك المركزي الأوروبي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة، وسط تحذيرات من دخول اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وفرنسا في مرحلة ركود تضخمي.
كما امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاعات صناعية حيوية، إذ تأثرت سلاسل الإمداد بمواد مرتبطة بإنتاج الغاز، مثل الهيليوم، ما انعكس على قطاعات طبية وصناعية، إلى جانب ارتفاع أسعار الأسمدة، الأمر الذي يهدد بدوره الأمن الغذائي في أوروبا.
وفي مواجهة هذه التطورات، سارعت الدول الأوروبية إلى اتخاذ مواقف سياسية موحدة، حيث أدانت إغلاق المضيق واعتبرته تهديدًا للأمن الدولي، كما أبدت استعدادها للمشاركة في جهود تأمين الملاحة وحماية الإمدادات، رغم المخاوف من اتساع نطاق المواجهة العسكرية في المنطقة.