تناول تقرير إسرائيلي دور الصين في التوازن بين علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل وشراكتها الاستراتيجية مع إيران، مسلطا الضوء على خلافات متصاعدة حول قضايا أمنية وعسكرية رغم استمرار التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
بيّنت صحيفة "جيروزاليم بوست" في تحليل استقصائي خاص أن المحور الخفي للأزمة بين إسرائيل وإيران لم يكن فقط في المواجهة المباشرة، بل في دور الصين كقوة عظمى حافظت على علاقات إيجابية مع الطرفين.
وأكّدت الصحيفة أن بكين شكّلت شريكاً تجارياً حيوياً لإسرائيل بقيمة وصلت إلى 24 مليار دولار في 2024 ومتوقعة الارتفاع إلى 27 ملياراً في 2025، كما كانت خطوط طيرانها من القليلة التي واصلت التحليق لإسرائيل خلال الحروب الأخيرة. غير أن هذا التقارب الاقتصادي والثقافي اصطدم بخلافات جوهرية حول الملف الإيراني.
فجوة في الرؤى الاستراتيجية والدبلوماسية
وذكرت صحيفة "جيروزاليم بوست"، استناداً إلى مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين وصينيين وأمريكيين، أنه بالرغم من اتفاق الجانبين على رفض امتلاك إيران لسلاح نووي، إلا أن الطرق افترقت سريعاً.
ففي حين عارضت الصين اللجوء إلى القوة العسكرية وآثرت الحلول الدبلوماسية، رأت في المقابل في انزلاق الولايات المتحدة نحو أي مستنقع إقليمي جديد مكسباً استراتيجياً يُعزز مكانتها الدولية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخلافات تركّزت الآن على ثلاثة ملفات ساخنة: الدفاع الجوي، التجسس عبر الأقمار الصناعية، وقود الصواريخ الباليستية.
معضلة الدفاع الجوي وتايوان
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن الصين رفضت معادلة "تبادل المنافع" التي قد تقترح توقف إسرائيل عن مساعدة تايوان في أنظمة الدفاع الجوي (مثل مشروع TDOME) مقابل توقف بكين عن دعم إيران دفاعياً.
ورفضت بكين هذه المقارنة جملةً وتفصيلاً، معتبرة أن لها الحق في بيع أنظمة دفاعية لإيران، بينما عدّت أي مساعدة إسرائيلية لتايوان انتهاكاً لسيادتها الوطنية.
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل وشركة "رفائيل" لم تنفيا بشكل قاطع الادعاءات المتعلقة بمساعدة تايوان، مما عزّز شكوك المصادر الإسرائيلية بصحتها.
اتهامات بالتجسس ونفي صيني
وفي ملف التجسس، استندت الصحيفة العبرية إلى تقارير لـ"فاينانشال تايمز" ووثائق مسربة تفيد بأن إيران استخدمت قمراً صناعياً تجارياً صينياً (TEE-01B) لمراقبة قواعد أمريكية في الشرق الأوسط خلال الحرب الأخيرة، مع حصول الحرس الثوري على بيانات عبر محطات أرضية تابعة لشركة "إمبوسات" الصينية.
ونفَت الخارجية الصينية هذه المزاعم بوصفها "ملفقة"، مؤكدة أن بكين لم ترَ مانعاً في بيع أقمار تجارية ذات استخدام مزدوج لدول مثل إيران.
ورأت الصحيفة أن أخطر الملفات على الإطلاق هو احتمال تزويد الصين إيران بمواد لإنتاج الوقود الصلب للصواريخ الباليستية.
ونقلاً عن كبار مسؤولي الدفاع الإسرائيليين، أفادت أن القصف المشترك الإسرائيلي-الأمريكي دمّر نحو 2600 هدف في المجمع الصناعي الإيراني، مما خفّض المخزون الصاروخي من 2500 إلى أقل من 1000 صاروخ، وألحق ضرراً بسلسلة التوريد قد يستغرق إصلاحه عامين أو أكثر بدون مساعدة خارجية.
وتجلّى القلق الإسرائيلي، وفق "جيروزاليم بوست"، في أن أي دعم صيني، حتى لو جاء تحت ذريعة 'الاستخدام المزدوج'، قد يُسرّع وتيرة تعافي الترسانة الإيرانية ويهدد المكسب الاستراتيجي للحرب.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن مدير الموساد ديفيد برنيع تحذيره من أن على الصين وروسيا "التفكير عشر مرات" قبل تقديم أي مساعدة لإيران، غير أنها رصدت في الوقت ذاته استمرار الهواجس الشديدة لدى مسؤولي الدفاع الإسرائيليين.
ورغم هذه المخاوف، أشارت إلى أن إسرائيل، حتى لو خيّبت الصين آمالها في هذا الملف كما فعلت سابقًا بدعم الاقتصاد الإيراني أثناء العقوبات، فقد واصَلت على الأرجح سعيها لتعزيز العلاقات مع بكين إلى أقصى حد ممكن، إدراكًا منها لمكانة الصين كإحدى القوتين العظميين الرئيسيتين في العالم.
الرد الصيني
ورداً على مجمل هذه التقارير، نقلت "جيروزاليم بوست" بياناً للسفارة الصينية في إسرائيل شدّد فيه على التزام بكين بالقانون الدولي وعدم تزويد أطراف النزاع بأسلحة.
وأكّدت السفارة تمسكها بمبدأ "صين واحدة" رافضة أي تعاون عسكري مع تايوان، ونفَت مجدداً اتهامات التجسس واصفة إياها بتسييس التعاون التجاري.
واختتم البيان بتذكير الموقف الصيني الداعي لحل سلمي للأزمة النووية الإيرانية عبر الحوار، واحترام سيادة جميع دول المنطقة بما فيها حق إسرائيل في الأمن والوجود، وفقاً لمقترح الرئيس شي جينبينغ المكون من أربع نقاط للسلام في الشرق الأوسط.