جرت عمليات البحث في عدد من "المواقع غير المعلنة ذات الأولوية العالية" في مناطق شمال الساحل والوسط، بدعم من السلطات السورية.
كشف تقرير صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الثلاثاء، بالتزامن مع بيان مفصل للبعثة السورية الدائمة لدى المنظمة، عن تفاصيل ترسانة غير معلنة من الأسلحة الكيميائية تعود لحقبة النظام المخلوع، عُثر عليها في مواقع سرية متفرقة شمال الساحل والوسط السوري.
وتعد هذه العملية الميدانية المشتركة الأوسع منذ انضمام دمشق للاتفاقية، حيث لم تقتصر على حصر الذخائر فحسب، بل امتدت لتشمل اعتقال مسؤولين رئيسيين أشرفوا على البرنامج الكيميائي السابق.
وأفاد تقرير المنظمة بأن فريق التفتيش المنتشر مطلع الشهر الجاري تمكن، بدعم من السلطات السورية، من دخول "مواقع غير معلنة ذات أولوية عالية" لم يسبق الإعلان عنها ضمن ملفات النظام السابق.
وأسفر التفتيش عن العثور على عشرات الذخائر الكيميائية الجاهزة، شملت قنابل جوية وصواريخ أرض-أرض، بالإضافة إلى مواد كيميائية سامة ومعدات مزج وتخزين عُثر عليها منفصلة عن الذخائر. كما عثرت الفرق على آلاف الصفحات من الوثائق التي تخضع حالياً للتحليل لفهم محتواها بدقة.
جرد دقيق للمضبوطات وأنواعها
وفي بيان أكثر تفصيلاً، كشفت البعثة الدائمة للجمهورية العربية السورية لدى المنظمة عن أرقام محددة للمواد التي تم ضبطها. وأكدت أن الفرق الوطنية المتخصصة حددت 54 قنبلة جوية مماثلة لتلك التي استخدمها النظام المخلوع في هجوم اللطامنة عام 2017، و25 قنبلة أرض-أرض مطابقة للذخائر التي أسقطت على الغوطة الشرقية في هجوم 2013.
وأشار البيان إلى ضبط مواد تدخل في تصنيع غاز السارين القاتل، إلى جانب كميات من مواد كيميائية أخرى لا تزال قيد التحليل المخبري.
إجراءات أمنية ونقل آمن للمواد
وحرصاً على السلامة العامة، أوضحت البعثة السورية أن جميع المواد والذخائر والمعدات نُقلت فوراً إلى مرافق تخزين خاصة وآمنة.
وجرت عملية النقل بعد أن تحققت فرق التفتيش التابعة للأمانة الفنية للمنظمة من طبيعة المواد ومدى أمان التعامل معها، تمهيداً لتدميرها بشكل كامل.
وشدد البيان على أن هذه الإجراءات تهدف إلى "ضمان منع أي خطر على المدنيين أو البيئة أو الأمن الوطني والإقليمي والدولي".
شبكة اعتقالات تطال قيادات البرنامج
بالتوازي مع كشف المخزون، أعلنت البعثة عن تقدم نوعي في الملف القضائي. وأكدت اعتقال 18 شخصاً يخضعون للتحقيق حالياً، لتورطهم المباشر في البرنامج الكيميائي السري.
وضمت قائمة المعتقلين ضباطاً عسكريين رفيعي المستوى، وخبراء سابقين من مركز البحوث العلمية، إضافة إلى ضباط من الجهاز الأمني الذي كان يشرف على تشغيل وإدارة الترسانة الكيميائية. وتعتقد السلطات أن معلومات هؤلاء ستقود إلى كشف مزيد من التفاصيل حول البرنامج.
ويأتي هذا الكشف تتويجاً لعمل استخباراتي وميداني بدأ منذ سقوط نظام الأسد. وأكدت البعثة أنها يسّرت منذ ذلك الحين زيارات فرق التفتيش إلى 32 موقعاً مشتبهاً به، وقدمت تقارير استباقية عن 14 موقعاً إضافياً، ما أسهم في تقليص قائمة الأهداف المشتبه بها بشكل كبير.
وشملت آلية العمل تعاوناً فنياً واستشارياً مع أعضاء من فريق "أنفاس الحربة" وعدد من الدول الصديقة الأعضاء في المنظمة، مما عجّل في تحديد أولويات البحث بدقة عالية، وفقاً لبيان البعثة السورية.
وكشفت البعثة عن تشكيل مجموعة عمل وطنية عليا عام 2025، تضم مختلف الوزارات والهيئات ذات الصلة. وأحرزت هذه المجموعة تقدماً ملحوظاً في تنفيذ مذكرات الاعتقال وتتبع المتورطين في استخدام وتصنيع الأسلحة خلال حقبة الحرب الأهلية التي استمرت 13 عاماً.
ويُذكر أن سوريا انضمت إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013 تحت ضغط روسي-أميركي لتجنب ضربات جوية، لكن المنظمة ظلت تعتقد أن إعلان النظام السابق كان ناقصاً، وهو ما أثبتته اكتشافات اليوم.
واعتبرت دمشق أن هذه الجهود تجسد التزامها الكامل بتفكيك إرث البرنامج، ومحاسبة المسؤولين عن استخدامه ضد المدنيين السوريين، وبما يمنع تكرار هذه الجرائم ويعزز الامتثال للالتزامات الدولية.