حذّر الوزير من أن "الحلفاء الذين يرفضون تحمّل مسؤولياتهم والمساهمة بنصيبهم في الدفاع الجماعي سيواجهون تغيّراً واضحاً في كيفية تعاملنا معهم".
وجّه وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث انتقادات جديدة إلى حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوروبا، محذّراً من أن الدول التي لا ترفع إنفاقها الدفاعي بشكل كافٍ قد تواجه "تغييراً واضحاً" في طريقة تعامل الولايات المتحدة معها.
وجاءت تصريحات هيغسيث، السبت، خلال مشاركته في منتدى حوار شانغريلا بنسخته الثالثة والعشرين في سنغافورة، الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وتُعد هذه المشاركة الثانية له في المنتدى، بعدما أثار خلال نسخة العام الماضي غضب بكين بتحذيراته من تنامي التهديدات الصينية، ولا سيما ما يتعلق بتايوان، عندما قال إن الصين لا تكتفي بتعزيز قدراتها العسكرية من أجل السيطرة على الجزيرة، بل "تتدرب يومياً" على ذلك.
غير أن أجواء المنتدى هذا العام بدت مختلفة، إذ جاءت بعد نحو أسبوعين فقط من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ. وكان ترامب قد وصف نظيره الصيني بأنه "قائد عظيم"، معرباً عن ثقته بإمكانية بناء "مستقبل رائع" بين البلدين.
وفي كلمته، أشار هيغسيث إلى أن التزام أعضاء الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لا يزال بعيد المنال، في ظل تأكيد عدد من الدول الأوروبية صعوبة الوصول إلى هذا المستوى من الإنفاق.
وقال إن "الدعوات المهذبة" التي وُجهت إلى الحلفاء الأوروبيين على مدى سنوات لزيادة الإنفاق العسكري لم تلقَ الاستجابة المطلوبة، مضيفاً أن "اللحاق بالركب بدأ أخيراً".
وحذّر من أن "الحلفاء الذين يرفضون تحمّل مسؤولياتهم والمساهمة بنصيبهم في الدفاع الجماعي سيواجهون تغيّراً واضحاً في كيفية تعاملنا معهم".
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قد لمّح إلى احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، في إطار إعادة توجيه الأولويات الاستراتيجية نحو مناطق أخرى، بالتوازي مع دعوات متزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
وتحدث هيغسيث عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مؤكداً أن أمن المنطقة لا يزال يعتمد بشكل غير متوازن على القوة العسكرية الأمريكية، في وقت سمح فيه عدد من الحلفاء بتراجع قدراتهم الدفاعية.
وقال إن الولايات المتحدة ترى أن بناء شبكة أقوى وأكثر اعتماداً على الذات من الحلفاء والشركاء يمثل عنصراً أساسياً لردع أي عدوان والحفاظ على توازن القوى في المنطقة.
وأضاف: "إن هيمنة أي قوة منفردة على المحيط الهادئ من شأنها الإخلال بالتوازن الإقليمي"، مؤكداً أن "أي دولة، بما في ذلك الصين، لا ينبغي أن تكون قادرة على فرض هيمنتها أو تعريض أمن وازدهار الولايات المتحدة وحلفائها للخطر".
وأوضح أن واشنطن تتوقع من حلفائها وشركائها الآسيويين رفع إنفاقهم الدفاعي إلى نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تعتزم فيه الولايات المتحدة استثمار 1.5 تريليون دولار في تطوير قدراتها العسكرية.
واستشهد في هذا الإطار بتجارب عدد من الدول الآسيوية، مشيراً إلى أن كوريا الجنوبية استثمرت بصورة منتظمة في قدراتها الدفاعية بسبب موقعها في منطقة تشهد توترات مستمرة، مضيفاً أنها "تبني قوة قتالية حقيقية" تعكس فهماً واقعياً لطبيعة التهديدات.
كما أشاد بسياسات الإنفاق الدفاعي في أستراليا والفلبين واليابان، معتبراً أنه "لا يمكن أن يكون هناك تحالف قوي إذا لم يكن جميع أعضائه مساهمين فيه، ولا مجال للركوب المجاني".
وأكد أن ما يريده الحلفاء هو "قوة منضبطة وعزيمة ثابتة وقيادة واثقة"، مشدداً على استمرار التزام واشنطن بأمن المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تبنّى هيغسيث لهجة أكثر هدوءاً تجاه العلاقات الأمريكية الصينية، معتبراً أنها أصبحت "أفضل مما كانت عليه منذ سنوات عديدة"، مشيراً إلى أن التواصل العسكري المباشر والمتزايد بين البلدين يسهم في إدارة التوترات ومنع سوء الفهم.
وقال: "نعقد لقاءات أكثر مع نظرائنا الصينيين ونحافظ على قنوات اتصال عسكرية مفتوحة".
وفي ردّه على سؤال من مندوب نيوزيلندا، اعتبر هيغسيث أن هدف ويلينغتون برفع الإنفاق الدفاعي من 1% إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي "غير كافٍ"، مضيفاً أن هذا المستوى لا يزال يندرج ضمن "أشكال الركوب المجاني".
واختتم بالقول: "لا أستهدف نيوزيلندا تحديداً، لكنني أطالب الشركاء بتحمّل مسؤولياتهم والاضطلاع بدورهم الكامل في الدفاع الجماعي".
ومنذ بداية ولايته الثانية، دفع الرئيس ترامب باتجاه رفع مستويات الإنفاق الدفاعي لدى الحلفاء، مؤكداً أن على الدول الأوروبية وأعضاء حلف شمال الأطلسي تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في المجال الأمني.
وفي السياق ذاته، تبنّى هيغسيث هذا التوجه، مشدداً على أن "زمن تمويل الولايات المتحدة لأمن الدول الثرية قد انتهى"، مضيفاً: "نحن بحاجة إلى شركاء لا إلى محميّات.. لا مجال للاستفادة المجانية".
كما أشاد هيغسيث بإسهامات عدد من الحلفاء، من بينهم كوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا وسنغافورة وماليزيا وتايلاند، مشيراً إلى أن اليابان بدورها تتخذ خطوات عملية لتعزيز قدراتها الدفاعية.
من جهته، شدد وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارلز على أهمية الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد، وذلك في كلمة أعقبت خطاب هيغسيث مباشرة.
وقال مارلز إن النظام الدولي الحالي، رغم أوجه القصور التي تعتريه، يحتاج إلى إصلاح وتطوير لا إلى تفكيك، مؤكداً أن القواعد الدولية تمنح الدول الصغيرة هامشاً من الاستقلالية والقدرة على التأثير.
وحذّر من أن تغليب منطق القوة على القانون سيجعل السيادة امتيازاً للقوى الكبرى فقط، معتبراً أن مثل هذا المسار لا يخدم أياً من الدول المشاركة في المنتدى، بغض النظر عن حجمها أو نفوذها.