شحّ الفئات النقدية الصغيرة وتراجع السيولة وهيمنة فئة 200 شيكل تُحدث خللاً في السوق وتُعطّل أبسط تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين.
تتفاقم أزمة الفئات النقدية الصغيرة في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، مع تراجع حاد في السيولة النقدية وهيمنة فئات كبيرة من العملة، ما أدى إلى تعطّل المعاملات اليومية وخلق سوق "مشوّه" يعيق أبسط عمليات البيع والشراء.
في سوق النصيرات وسط القطاع، يقف فضل بشيتي عاجزاً عن شراء ربطة خبز رغم أنه يمتلك المال. يقلّب ورقة نقدية في يده قبل أن يعيدها البائع إليه معتذراً. يقول: "بدّي ثلاثة شيكل، بس معي ورقة كبيرة، وما فيش حد يفكها".
إذاً، لم تعد المشكلة في نقص الأموال، بل في عدم القدرة علىى التداول بها.
سوقٌ "بلا فكة"
في الأسواق الشعبية، لم تعد الفئات النقدية الصغيرة جزءاً من التداول اليومي، بل تحوّلت إلى عنصر نادر. يرفض الباعة إتمام البيع دون فكة، أو يعوّضون الزبائن بسلع بسيطة عوضًا عن ما تبقى: قطعة حلوى، علبة كبريت، أو كيس بهارات.
تقف رشيدة توفيق أمام أحد الباعة وهي تقلّب ورقة نقدية في يدها، قبل أن يعيدها إليها مرفوضة.
"مرة قديمة، مرة مخزوقة، ومرة ما في فكة"، تقول رشيدة، مشيرة إلى أن محاولات الشراء تتحول إلى معاناة يومية غالبًا ما تنتهي دون إتمامها، أو بقبول بضاعة لا تحتاجها فقط لتفادي الخسارة.
أما سلمى زياد، القادمة من دير البلح، فتقول إنها لم تعد تغادر منزلها قبل التأكد من امتلاكها نقوداً من الفئات الصغيرة.
"لو ما معي فكّة، كيف بدّي أتحرك؟" وتضيف أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالشراء فقط، بل أصبحت تتحكم في قدرتها على التنقل والعمل، "الفكة صارت تتحكم بكل إشي".
هذا الواقع لم يغيّر شكل التسوق فقط، بل امتد إلى حركة التنقل اليومية. يقول السائق حسام الحواجري إن بعض زملائه السائقين يرفضون نقل ركاب لا يملكون فكّة، لعدم تمكنهم من ردّ المبلغ المتبقي، ما يدفع كثيرين إلى قطع مسافات طويلة تفاديًا للإحراج.
وقد ارتفعت أجرة التنقل بين خان يونس وغزة من نحو 6 شواقل قبل الحرب إلى ما بين 20 و25 شيقلاً، في ظل تدمير أكثر من 60% من المركبات والبنية التحتية المرتبطة بها، وارتفاع سعر لتر البنزين المستورد.
نقود غير قابلة للتداول
المفارقة في غزة اليوم أن النقود ليست غائبة تماماً، لكنها غير قابلة للتداول، فالسوق لم يعد يميز فقط بين من يملك المال ومن لا يملكه، بل بين نوع الورقة النقدية نفسها، حيث تُقبل فئات وتُرفض أخرى رغم تساوي قيمتها.
هذا الخلل خلق شكلاً جديداً من الضغط اليومي على المواطنين، لتتسبّب أبسطُ التعاملات اليومية في مواقف مُحرجة، ويضطر البعض لدفع أكثر من قيمة السلعة أو التخلي عنها بالكامل.
حتى الاحتياجات البسيطة داخل الأسرة لم تسلم من هذه الأزمة، إذ باتت مبالغ صغيرة، كانت تُستخدم يومياً، غير متوفرة، ما أثّر على تفاصيل الحياة اليومية، من شراء الخبز إلى تلبية احتياجات الأطفال.
الشيكل الأزرق.. عملة تُعمّق الأزمة
تتزامن أزمة الفكة مع تحولات أعمق في بنية النقد داخل غزة. فقد تراجعت مكانة الدولار والدينارالأردني، بينما صعد الشيكل الإسرائيلي ليصبح العملة الأكثر طلباً، خصوصاً فئة 200 شيكل الزرقاء، التي تعادل نحو 60 دولاراً. ولم يكن هذا التحوّل أمرا طبيعياً، بل جاء نتيجة مباشرة لشحّ السيولة وتعطل القنوات المصرفية.
ووفق بيانات بنك إسرائيل، تشكّل هذه الفئة نحو 80% من إجمالي قيمة النقد، ما يعكس تركّز السيولة في فئات كبيرة لا تخدم التداول اليومي.
يقول الصراف حمدان أحمد من سوق النصيرات إن "من يملك فئة 200 شيكل يسيطر عملياً على السوق"، مشيراً إلى أن الباعة باتوا يفضلونها على غيرها، فيما تُرفض فئات أخرى أو تُقبل بشروط، ما خلق سوقاً يميّز بين النقود نفسها.
"التكييش".. اقتصاد موازٍ بعمولات مرتفعة
مع تعطل النظام المصرفي، برزت ظاهرة "التكييش" كقناة رئيسية للحصول على النقد، حيث يتم تحويل الأرصدة البنكية إلى سيولة مقابل عمولات مرتفعة.
في دير البلح، يشرح صلاح عبد المعطي العامل في هذا المجال، كيف تحوّلت العملية إلى سوق بحد ذاتها.
"الكل بدّه الشيكل الأزرق"، يقول، موضحاً أن عمولة تحويل فئة 200 شيكل الجديدة قد تصل إلى 40%، فيما تنخفض النسبة للفئات القديمة، في تفاوت يعكس حجم الطلب والندرة.
إذاّ، هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة السيولة، بل يشير إلى تشوّه أعمق في بنية السوق.
جذور الأزمة.. أرقام تكشف حجم الخلل
يرى المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ أن الأزمة تعود إلى الانخفاض الحاد في المعروض النقدي داخل القطاع.
ويقول إن السيولة المتاحة من الشيكل في غزة تراجعت بأكثر من 45% منذ بداية الحرب، نتيجة سحب كميات من السوق، ومنع إدخال نقد جديد، إضافة إلى تلف جزء من الأوراق المتداولة.
وتؤكد سلطة النقد الفلسطينية أن نحو 1.2 مليار شيكل مفقودة من النظام المصرفي في القطاع، في ظل تدمير واسع للبنية المصرفية وتعطل الفروع.
ويشير بربخ إلى مفارقة لافتة، إذ كان من المتوقع أن يؤدي شحّ الشيكل إلى زيادة الاعتماد على العملات الأجنبية، "لكن الواقع أظهر العكس، لأن جميع التعاملات اليومية تتم بالشيكل، ما جعله الخيار الوحيد رغم تعقيداته".
ويحذر من أن استمرار هذا الوضع يدفع الاقتصاد نحو قنوات غير رسمية لإدارة النقد، ما يفتح الباب أمام تضخم غير متحكم فيه ويزيد الأعباء على المواطنين.
بدائل محدودة وإقصاء فئات واسعة
في مواجهة الأزمة، لجأ البعض إلى التطبيقات البنكية والمحافظ الرقمية أو نظام “الدفتر”، حيث يتم تسجيل الديون إلى حين توفر الفكة.
لكن هذه الحلول تبقى محدودة، ولا تتوفر عند الجميع. يقول أحمد الحسنات، صاحب بسطة، إن التحول نحو الدفع الإلكتروني لم يكن خياراً متاحاً للجميع.
"في ناس ما عندها جوّالات، ولا إنترنت، ولا بتعرف تستخدم التطبيقات"، يوضح، مشيراً إلى أن شريحة واسعة باتت خارج الدورة الاقتصادية، غير قادرة على الشراء حتى لو كانت تملك المال.
ووفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد اقتصاد غزة أكثر من 80% من طاقته الإنتاجية منذ بداية الحرب، ما أدى إلى تراجع حاد في النشاط الاقتصادي والسيولة.
في هذا السياق، لم تعد الأزمة تتعلق بندرة المال فقط، بل بخلل في آليات تداوله، حيث تتكدّس الأوراق النقدية الكبيرة، بينما تختفي الفئات الصغيرة التي يقوم عليها الاقتصاد اليومي، وباتت ثلاثة شواقل بإمكانها أن تربك يوما كاملا.