يشير خبير في التسويق الرياضي في حديثه مع "يورونيوز" إلى إمكانية أن تلعب المنتخبات الأفريقية دوراً بارزاً في البطولة، مع قدرتها على إحداث مفاجآت لافتة، مستفيدة من تطور واضح في مستوى الجاهزية البدنية والتكتيكية.
يمثل كأس العالم لكرة القدم منذ سنوات طويلة أكثر من مجرد حدث رياضي، فهو بطولة كبرى تجمع المشجعين من مختلف أنحاء العالم، وتصنع روايات عالمية تتجاوز حدود الملاعب، وتعيد كل أربع سنوات رسم ملامح القوى في كرة القدم الدولية. فالمونديال لا يقتصر على التنافس على الكأس، بل يعكس أيضاً طموحات الدول وضغوطها، ويحتضن المفاجآت، ويمنح اللاعبين فرصة لتغيير مسار مسيرتهم المهنية في فترة قصيرة.
وتأتي نسخة هذا العام بطابع استثنائي مقارنة بالبطولات السابقة، بعدما اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم صيغة موسعة للبطولة، ستُقام بموجبها كأس العالم للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخباً. ولا يعني هذا التوسع زيادة عدد المنتخبات فقط، بل أيضاً ارتفاع عدد المباريات إلى 104 مباريات تُنظم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهو ما يطرح تساؤلات حول المستوى الفني للبطولة، ومدى تأثير هذا الحجم الكبير على توازن القوى التقليدي في كرة القدم العالمية.
ومن المتوقع أن تفرض البطولة مشهداً تنافسياً متبايناً، حيث تواصل المنتخبات الكبرى ذات الخبرة الطويلة هيمنتها المعتادة وترشحها الدائم للمنافسة على اللقب، في حين تسعى منتخبات أخرى إلى استغلال جاهزيتها وظروف البطولة لتحقيق مفاجآت قد تعيد تشكيل خريطة المنافسة.
الخيول السوداء في البطولة: من يمكنه مفاجأة العالم؟
يؤكد صحفي موقع Sport.pl فيليب ماكودا أن كرة القدم على مستوى المنتخبات لا تترك مجالاً كبيراً للصدفة، غير أن تاريخ كأس العالم يثبت في المقابل أن عنصر المفاجأة يظل جزءاً أصيلاً من هوية البطولة.
ويقول ماكودا: "الحصان الأسود هو المنتخب الذي لا نتوقع منه تحقيق نتيجة كبيرة أو لافتة".
ويضيف أن الانتشار الواسع لاسم أي منتخب في التوقعات والترشيحات قد يُفقده تلقائياً صفة "المفاجأة"، إذ إن تكرار ذكره يعني أنه لم يعد خياراً خفياً أو غير محسوب.
ورغم أن كل نسخة من المونديال تحمل قصصاً جديدة واستثنائية، فإن قائمة المنتخبات المرشحة عادة ما تبقى شبه ثابتة عبر السنوات. وتتصدر هذه القائمة منتخبات إسبانيا وفرنسا والأرجنتين والبرازيل وإنجلترا والبرتغال، وهي الأسماء التي تظهر باستمرار في تحليلات الخبراء وقوائم الترشيحات لدى شركات المراهنات.
وبحسب صحفي موقع Sport.pl، من الصعب تخيّل بطولة كأس العالم من دون هذه المنتخبات في دائرة المنافسة على اللقب.
ويقول: "لو كان عليّ اختيار خمسة مرشحين رئيسيين للتتويج، لذكرت إسبانيا والأرجنتين والبرتغال وفرنسا وإنجلترا، مع إضافة البرازيل إلى هذه القائمة".
ومع ذلك، يشير إلى أن لكل منتخب من هذه المنتخبات الكبرى مقومات مختلفة تُشكّل مصدر قوته. فإسبانيا تعتمد على التفوق الفني والتحكم في إيقاع اللعب، فيما ترتكز فرنسا على عمق التشكيلة والقدرات البدنية العالية. أما الأرجنتين فتستمد قوتها من الخبرة وعقلية الفوز في اللحظات الحاسمة، في حين تُعرف البرازيل بجودة لاعبيها الفردية. وتجمع إنجلترا والبرتغال بين وفرة المواهب والنضج المتزايد في المنافسات الكبرى.
المنافسة تزداد شراسة
يشير خبير التسويق الرياضي وصاحب وكالة Feel Motion توماش رخفاو إلى أن دائرة المرشحين الرئيسيين للتتويج بكأس العالم لا تشهد تغييرات كبيرة، إذ تبقى أسماء المنتخبات الكبرى نفسها حاضرة في المشهد التنافسي.
ويقول في حديثه إلى "يورونيوز": "إسبانيا والبرازيل بالتأكيد ضمن هذا السباق. كما يمكن أن تظهر فرنسا والبرتغال وألمانيا بصورة قوية جداً، باعتبارها منتخبات تنافس بشكل دائم على أعلى الأهداف".
غير أن الخبير يلفت في المقابل إلى إمكانية أن تلعب المنتخبات الأفريقية دوراً بارزاً في البطولة، مع قدرتها على إحداث مفاجآت لافتة، مستفيدة من تطور واضح في مستوى الجاهزية البدنية والتكتيكية.
ويضيف رخفاو: "هذه المنتخبات تتمتع بإعداد بدني ممتاز، وهي قوية وسريعة، وغالباً ما تتأقلم بشكل جيد مع الظروف الصعبة".
ويرى أن الفوارق بين الكرة الأوروبية والأفريقية تتقلص تدريجياً، رغم استمرار اختلاف الأساليب بين المدرستين.
ويتابع: "أوروبا تعتمد أكثر على التنظيم والدقة الفنية، بينما تميل الكرة الأفريقية إلى القوة البدنية واللعب المباشر".
ويخلص إلى أن هذا التباين في الأساليب قد يلعب دوراً حاسماً خلال بطولة طويلة وممتدة تُقام في أميركا الشمالية.
بولندا خارج المونديال
يُعزى غياب منتخب بولندا عن المونديال، بحسب الخبراء، إلى تراكم طويل من المشكلات الرياضية، وليس إلى نتائج سلبية في مباراة أو مباراتين فقط. وتُبرز التحليلات بشكل خاص ضعف الفاعلية الهجومية إلى جانب الأخطاء الدفاعية، التي حسمت في أكثر من مناسبة مباريات حاسمة خلال التصفيات.
ويلاحظ فيليب ماكودا أن أداء المنتخب خلال الأشهر الأخيرة اتسم بالتذبذب، إلا أن الكلمة الحاسمة في اللحظات الفاصلة كانت في الغالب لصالح المنافسين الأكثر قدرة على استثمار الفرص.
ويقول: "لا يزال هناك الكثير مما يحتاج إلى تحسين. يمكن الحديث عن بعض سوء الحظ، لكن الحقيقة أن المنافسين كانوا أكثر فاعلية، ولم ننجح في التعامل بالشكل المطلوب مع أخطائنا".
ويرى ماكودا أن تكرار الأخطاء نفسها شكّل إحدى أبرز الإشكاليات، إذ جعل المنتخب، رغم بعض فترات الأداء الجيد، عاجزاً عن تحقيق الاستقرار والحفاظ على نسق ثابت طوال التصفيات.
وعلى نطاق أوسع، يُعد هذا الإخفاق أول غياب لبولندا عن كأس العالم منذ عام 2014، ما يعكس مرحلة انتقالية يعيشها المنتخب وبحثه عن هوية فنية جديدة.
ورغم غياب المنتخب البولندي عن النسخة الحالية من المونديال، فإن الجماهير ستتابع بعد أسابيع قليلة مواجهة كروية بارزة، حيث يستضيف ملعب فروتسواف يوم 15 آب/أغسطس مباراة تجمع بين مانشستر يونايتد وإيه سي ميلان.
ويقول منظم الحدث توماش رخفاو: "نحن سعداء باستضافة كرة قدم من أعلى مستوى في بولندا. نأمل أن يمتلئ ملعب تارتشينسكي أرينا بالكامل، وأن يستمتع الجمهور بعرض كروي مميز. وما يمنح المباراة طابعاً مونديالياً هو مشاركة 25 لاعباً من التشكيلتين في البطولة التي تنطلق اليوم".
كيف تغيّر التكنولوجيا تحليل اللعب؟
تشهد كرة القدم الحديثة اعتماداً متزايداً على البيانات والتحليل المتقدم، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أداة محورية في دعم عمل الأجهزة الفنية للمنتخبات والأندية على حد سواء.
ويقول توماش رخفاو: "تتطور تحليلات الرياضة بوتيرة سريعة للغاية. ويساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع معالجة البيانات والتنبؤ بالنتائج وصياغة الاستنتاجات التكتيكية".
ويضيف أن هذه العمليات كانت تتطلب قبل سنوات فرق عمل أكبر ووقتاً أطول، بينما أصبح بالإمكان إنجازها اليوم بسرعة ودقة أعلى بكثير. ويشير إلى أن هذا التحول استلهم جزئياً من فكرة فيلم Moneyball الذي أبرز كيف يمكن للإحصاءات أن تعيد تشكيل طريقة بناء الفرق الرياضية.
كما يلفت رخفاو إلى أن حجم البيانات المتاحة في كرة القدم الحديثة بات هائلاً، إذ يشمل مختلف جوانب اللعبة، من الحالة البدنية والفنية للاعبين إلى تحليل ظروف المباريات وسيرها التكتيكي. ورغم أن هذه التقنيات لم تتحول بعد إلى معيار موحد في جميع الأندية، فإن استخدامها في تزايد مستمر، مع تأثير واضح على تطور أساليب اللعب في كرة القدم المعاصرة.