كانت بلدية الخليل تمتلك صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والبناء داخل المدينة، بما يشمل مناطق حساسة مثل الحرم الإبراهيمي والمقبرة اليهودية المجاورة.
أقرت إسرائيل، اليوم الثلاثاء، بقرار سحب جزء من صلاحيات بلدية الخليل في مجالي التخطيط والبناء، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، بينما شددت في الوقت نفسه على أن هذا الإجراء لا يعني إلغاء "بروتوكول الخليل" الموقع عام 1997، وفق ما ورد في بيان صادر عن وزارة الخارجية الإسرائيلية.
وجاء البيان رداً على تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن بدء نقل صلاحيات التخطيط المدني في مناطق محددة من الخليل، بما في ذلك محيط الحرم الإبراهيمي ومواقع مرتبطة بالمستوطنات، من البلدية الفلسطينية إلى جهات إسرائيلية.
وأكدت الخارجية الإسرائيلية أن الاتفاق الموقع في التسعينيات لا يزال سارياً، موضحة أن القرار الأخير يتعلق بصلاحيات إدارية محددة جرى تحديدها مسبقاً ضمن قرارات المجلس الوزاري الأمني.
وأضافت أن هذه الخطوة تستهدف، بحسب روايتها، تنظيم شؤون البناء في مناطق وصفتها بأنها مرتبطة بالمجتمع اليهودي والمواقع الدينية، من دون المساس بالإطار العام للاتفاقيات السابقة الخاصة بالمدينة.
في المقابل، قال سموتريتش إن القرار يمثل خطوة تاريخية في إطار تعزيز "السيادة الإسرائيلية" في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن نقل صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة الحرم الإبراهيمي والمناطق المحيطة به تم إقراره بشكل نهائي، بما ينهي عملياً ترتيبات قائمة منذ اتفاق الخليل عام 1997.
وبموجب ذلك الاتفاق، كانت بلدية الخليل تمتلك صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والبناء داخل المدينة، بما يشمل مناطق حساسة مثل الحرم الإبراهيمي والمقبرة اليهودية المجاورة.
إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى إعادة توزيع هذه الصلاحيات بين الجهات الفلسطينية والإسرائيلية، ضمن مسار أوسع من الإجراءات الإدارية والأمنية في الضفة الغربية.
وفي فبراير/شباط الماضي، كان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية قد أقر سلسلة قرارات تهدف إلى إعادة تنظيم الأطر القانونية والإدارية في الضفة الغربية، شملت تعديل بعض القوانين الناظمة للبناء، ونقل صلاحيات من الإدارة المدنية الفلسطينية إلى نظيرتها الإسرائيلية، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية.
وأثارت هذه الخطوات ردود فعل فلسطينية واسعة، حيث اعتبرت الرئاسة الفلسطينية أن القرار يمس الوضع القانوني والتاريخي لمدينة الخليل، ويخالف الاتفاقيات الموقعة، داعية المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، إلى التدخل الفوري لوقفه.
كما أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية ما وصفته بتصعيد خطير يستهدف تغيير الوضع القائم في الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، مؤكدة أن إسرائيل لا تملك أي سيادة على المدينة، وأن الحقوق الفلسطينية فيها تستند إلى قرارات دولية وواقع تاريخي ممتد.
وفي السياق ذاته، اعتبر مسؤولون فلسطينيون أن ما يجري يمثل تقويضاً تدريجياً لما تبقى من اتفاق أوسلو، ودفعاً باتجاه فرض وقائع جديدة على الأرض، بينما شدد رئيس بلدية الخليل على أن أي مساس ببروتوكول المدينة يشكل خرقاً خطيراً ستكون له تداعيات سياسية وقانونية واسعة.
ورغم حدة التوتر، تؤكد البلدية الفلسطينية أنها ستواصل تقديم خدماتها في مختلف أحياء الخليل، بما في ذلك البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي، في ظل استمرار الجدل حول مستقبل الصلاحيات الإدارية في المدينة.
و"بروتوكول الخليل" هو اتفاق سياسي وأمني وُقّع بين السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في 15 يناير/كانون الثاني 1997، في إطار استكمال اتفاقيات أوسلو للسلام، وتحديداً اتفاق أوسلو الثاني لعام 1995.
وجرى توقيع الاتفاق في عهد رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال ولايته الأولى، وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف تنظيم الوضع الأمني والإداري في مدينة الخليل، التي كانت المدينة الفلسطينية الكبرى الوحيدة في الضفة الغربية التي لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي بالكامل، بسبب وجود بؤر استيطانية داخل قلبها التاريخي.
ونص البروتوكول على تقسيم مدينة الخليل إلى منطقتين رئيسيتين من حيث الصلاحيات الأمنية والإدارية. فـمنطقة H1، التي تشكل نحو 80% من مساحة المدينة، تضم الأحياء السكنية الفلسطينية الكثيفة، وقد نُقلت فيها الصلاحيات الأمنية والإدارية والمدنية بشكل كامل إلى السلطة الوطنية الفلسطينية والشرطة الفلسطينية.
أما منطقة H2، التي تغطي نحو 20% من المدينة، فتشمل البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي والبؤر الاستيطانية، وقد احتفظت إسرائيل فيها بالسيطرة الأمنية الكاملة، بما يشمل حماية المستوطنين، في حين بقيت بعض الصلاحيات المدنية والخدماتية، مثل التخطيط والنظافة والمياه، بيد بلدية الخليل الفلسطينية.
كما تضمن الاتفاق ترتيبات إضافية، من أبرزها إنشاء وجود دولي مؤقت في المدينة عُرف باسم "TIPH" لمراقبة الوضع وتوثيق الانتهاكات وتقليل الاحتكاك بين الجانبين، قبل أن تنهي إسرائيل عمل هذه البعثة لاحقاً عام 2019.
وشمل الاتفاق أيضاً التفاهم على إعادة فتح "شارع الشهداء" في البلدة القديمة لتسهيل حركة الفلسطينيين، إلا أن تطبيق هذا البند بقي معقداً وشهد تعطيلات متكررة على أرض الواقع.
وفيما يتعلق بالحرم الإبراهيمي، فقد تم الإبقاء على الترتيبات الأمنية الخاصة التي فُرضت بعد مجزرة عام 1994، بما في ذلك تقسيم الحرم زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود.
ورغم أن البروتوكول وُضع بهدف تنظيم الحياة في المدينة وتقليل الاحتكاك الأمني، إلا أن تطبيقه على مدى السنوات أدى إلى تحولات كبيرة، إذ تحولت منطقة H2، خصوصاً البلدة القديمة، إلى منطقة شبه عسكرية مغلقة تتخللها حواجز ونقاط تفتيش، ما انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان الفلسطينيين وعلى النشاط الاقتصادي في المدينة.