يتيح مجموع مقاعد الأحزاب الثلاثة الأولى تحقيق الأغلبية المطلقة داخل المجلس الشعبي الوطني، ما يمنح الرئيس تبون تشكيل حكومة يرأسها رئيس وزراء مكلف بتنفيذ البرنامج الرئاسي.
أعلنت المحكمة الدستورية في الجزائر، السبت، النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، حيث أظهرت أن البرلمان تسيطر عليه ثلاثة أحزاب سياسية داعمة لبرنامج الرئيس عبد المجيد تبون، في وقت سجلت فيه نسبة المشاركة في الاستحقاق الأخير تراجعًا قياسيا.
وأفادت أعلى محكمة في البلاد بأن حزب جبهة التحرير الوطني جاء في المرتبة الأولى بعد حصوله على 91 مقعدًا من أصل 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني، الغرفة السفلى للبرلمان.
وحلّ التجمع الوطني الديمقراطي في المرتبة الثانية بـ74 مقعدًا، فيما جاءت جبهة المستقبل في المركز الثالث بعد فوزها بـ56 مقعدًا.
أما حركة مجتمع السلم، فقد احتلت المرتبة الرابعة بحصولها على 43 مقعدًا، بينما جاءت حركة البناء الوطني(إسلامي موالٍ)، في المرتبة الخامسة بعد حصولها على 40 مقعدًا.
في المقابل، تراجعت كتلة المستقلين إلى المرتبة السادسة بـ33 مقعدًا فقط، بعدما كانت قد أصبحت ثاني أكبر كتلة برلمانية خلال انتخابات عام 2021، حين حصلت على 84 مقعدًا.
حضور محدود للمعارضة
أكدت المحكمة الدستورية أن أحزاب المعارضة التقليدية لم تحصد سوى عدد محدود من المقاعد، إذ حصلت جبهة القوى الاشتراكية على 12 مقعدًا، فيما نال التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أربعة مقاعد، وحصل حزب العمال اليساري الراديكالي على ثلاثة مقاعد.
كما كشفت المحكمة أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 21.24% فقط، مسجلة انخفاضًا مقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة عام 2021، التي بلغت فيها نسبة المشاركة 30.2%.
وتُعد هذه الانتخابات العاشرة منذ استقلال الجزائر عام 1962، والثانية منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019، الذي أدى إلى استقالة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بعد نحو عقدين في الحكم.
وتشير النتائج إلى أن تركيبة البرلمان المقبل ستظل، إلى حد كبير، مشابهة للبرلمان السابق، مع استمرار احتفاظ الأحزاب الداعمة للأغلبية الرئاسية بالعدد الأكبر من المقاعد.
أغلبية برلمانية تمنح تبون هامشًا لتشكيل الحكومة
يتيح مجموع مقاعد الأحزاب الثلاثة الأولى تحقيق الأغلبية المطلقة داخل المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، ما يمنح الرئيس تبون إمكانية تشكيل حكومة يرأسها رئيس وزراء مكلف بتنفيذ البرنامج الرئاسي.
وينص دستور الجزائر لعام 2020 على أن رئيس الجمهورية يعيّن رئيسًا للوزراء في حال حصول الأحزاب الداعمة للأغلبية الرئاسية على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان.
أما في حال تمكنت أحزاب المعارضة من تحقيق الأغلبية البرلمانية، فإن الرئيس يختار رئيس حكومة من صفوف المعارضة، على أن يعمل وفق برنامجها السياسي وليس وفق برنامج رئيس الجمهورية.
وجاء هذا التعديل الدستوري بهدف تنظيم مخرجات الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد عام 2019، وتحويل نتائج التحولات السياسية إلى آليات واضحة لتشكيل السلطة التنفيذية.
ومن المنتظر أن يضم المجلس الشعبي الوطني الجديد 22 حزبًا سياسيًا، مقارنة بـ13 حزبًا فقط بعد الانتخابات السابقة.
كما أظهرت النتائج أن ثلاثة أحزاب حصلت على ثلاثة مقاعد لكل منها، بينما نالت خمسة أحزاب مقعدًا واحدًا لكل حزب، وحصل حزبان على مقعدين لكل منهما.
وبموجب الدستور وقانون الانتخابات، تتولى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إحالة النتائج الأولية ووثائق الاقتراع إلى المحكمة الدستورية، التي تنظر في الطعون الانتخابية، وتعلن النتائج النهائية، وتنشر الأرقام الرسمية في الجريدة الرسمية.
ويمثل إعلان المحكمة الدستورية النتائج النهائية المرحلة الأخيرة من العملية الانتخابية، إذ سيتم نشرها رسميًا في الجريدة الرسمية، على أن يتم تنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد خلال 15 يومًا من تاريخ الإعلان.
انتخابات "هادئة"
في الجزائر، يرى عدد من المراقبين أن الانتخابات التشريعية الأخيرة اتسمت بالهدوء، إذ غابت عنها السجالات السياسية الحادة والنقاشات الواسعة التي كانت ترافق عادةً مثل هذه الاستحقاقات الانتخابية.
ورغم أن الانتخابات التشريعية لا تحظى بالاهتمام الشعبي نفسه الذي تثيره الانتخابات الرئاسية أو المحلية لدى الناخب الجزائري، فإن الحملات الانتخابية السابقة كانت تشهد نقاشات مكثفة حول الملفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو ما بدا محدودًا خلال هذه الحملة مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
غير أن أكثر الملفات إثارة للجدل خلال هذه الانتخابات تمثل في المادة 200 من قانون الانتخابات. فقبل أكثر من عام، صادق نواب البرلمان على هذه المادة، وهي التي وٌضعت أساسًا بهدف "تطهير" الحياة الانتخابية، والحد من تأثير المال الفاسد، وضبط مصادر التمويل والعلاقات التي قد تؤثر على نزاهة الاقتراع.
وتنص المادة على استبعاد كل مترشح تحوم حوله شبهات ارتباط بأوساط مالية مشبوهة، أو يُشتبه في امتلاكه القدرة على التأثير في شفافية العملية الانتخابية، وذلك بهدف منع أي تدخلات غير مشروعة في المسار الانتخابي.
كما تفرض قيودًا على عدد العهدات البرلمانية، سواء كانت متتالية أو منفصلة، بحيث لا تتجاوز عهدتين نيابيتين.
غير أن كثيرين لم يتوقعوا أن تتحول هذه المادة لاحقًا إلى أداة تستند إليها قرارات الاستبعاد، بما شمل بعض الشخصيات التي كانت من بين أبرز الداعمين لها خلال مرحلة التصويت داخل البرلمان.
وشهدت الساحة السياسية في الجزائر استبعاد آلاف المترشحين على إثر تطبيق المادة المثيرة للجدل.