فرض الجيش الإسرائيلي حصارًا على مدينة نابلس وأغلق مداخلها الرئيسية، إضافة إلى مداخل عدد من البلدات والقرى المحيطة، وفي مقدمتها بلدة تل، فيما شهدت المحافظة انتشارًا عسكريًا مكثفًا وإقامة حواجز جديدة، بالتزامن مع عمليات تمشيط واسعة وتقييمات أمنية شارك فيها قادة من الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام.
عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس أركان الجيش إيال زامير لبحث سبل الرد على عملية إطلاق النار قرب "حفات جلعاد"، في ظل تصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية المحتلة.
وقال مكتب نتنياهو إن الحكومة ستتحرك "بحزم" ضد منفذي العمليات ومن يقفون وراءهم، متعهدًا بعدم السماح بعودة ما وصفه بـ"الإرهاب" في الضفة الغربية.
ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين جراء عملية إطلاق النار إلى قتيلين، بحسب ما أفادت به هيئة البث الإسرائيلية.
وذكرت القناة 14 الإسرائيلية، نقلًا عن مصدر أمني، أن القتيل الثاني هو رائد في الجيش الإسرائيلي، وكان يقود السرية العسكرية التي وصلت إلى موقع الهجوم عقب وقوعه.
وفي أعقاب العملية، تفقد رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) موقع الهجوم في بلدة تل، وفق ما أوردته القناة 13 الإسرائيلية.
وقال رئيس الشاباك إن العملية "خطيرة ومؤلمة"، مؤكدًا أن الجهاز يعمل بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي على "إحباط الإرهاب في الضفة الغربية"، بحسب تعبيره.
اجتماع عاجل للحكومة
وعقب اجتماع حكومي، قال بيان صادر عن ديوان نتنياهو وكاتس صدور أمر للجيش بهدم منزل منفذ عملية إطلاق النار، مع "تنفيذ عملية واسعة في القرى التي تشكل مصدرًا للإرهاب في الضفة".
وأضاف البيان أن تم أمر الجيش الإسرائيلي بجمع السلاح من بعض القرى في الضفة الغربية المحتلة مع سحب تصاريح العمل من السكان، مؤكدًا أنه "يجب السماح لقوات الأمن بحرية العمل بكل قوة ضد الإرهاب والامتناع عن أي عملية تضر بالتحركات".
كما تقرر البدء بمسار لتشريع بؤر استيطانية وإقامة بؤر استيطانية أخرى في مناطق جديدة بالضفة الغربية المحتلة، ردًا على عملية إطلاق النار.
وتزامن ذلك مع تصعيد لافت في خطاب عدد من الوزراء الإسرائيليين، إذ دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى نقل ما وصفه بـ"معاملة بيت حانون" في قطاع غزة إلى مدن وقرى الضفة الغربية، مطالبًا بتدمير منازل الفلسطينيين الذين يتهمون بتنفيذ أو دعم الهجمات، عبر الغارات الجوية وجرافات الجيش، معتبرًا أن "كل يهودي يُقتل يجب أن يقابله فقدان للأراضي والمنازل من جانب العدو".
بدوره، طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الجيش الإسرائيلي بالتحرك "بقوة" ضد كل قرية فلسطينية يخرج منها منفذو عمليات إطلاق النار أو الطعن، داعيًا إلى فرض ما وصفه بـ"السيادة" واستعادة "الردع والسيطرة" في الضفة الغربية.
تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا ميدانيًا واسعًا بعد يوم دامٍ في محافظة نابلس، دفع الجيش الإسرائيلي إلى الإعلان عن استعداده لتنفيذ عملية عسكرية واسعة، بالتزامن مع تشديد الحصار على مدينة نابلس وعدد من البلدات المحيطة بها.
جاء ذلك بالتوازي مع تعزيز انتشار قوات الجيش الإسرائيلي في أنحاء الضفة، فيما تصاعدت هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، وسط دعوات من وزراء في الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع العمليات العسكرية وتدمير بلدات فلسطينية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي، الجمعة، عزمه تنفيذ "نشاط عملياتي واسع" في الضفة الغربية، وفرض منع خروج القوات وتعزيز حجم القوات المنتشرة في مختلف المناطق، في أعقاب عملية إطلاق نار وقعت قرب مستوطنة "حفات جلعاد" المجاورة لبلدة تل جنوب غربي نابلس، وأسفرت، بحسب الرواية الإسرائيلية، عن مقتل مستوطن وإصابة ثلاثة آخرين.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل أربعة فلسطينيين وإصابة أربعة آخرين، ثلاثة منهم بجروح حرجة، خلال هجوم شنته قوات الجيش الإسرائيلي ومستوطنون على بلدة تل، حيث أطلق المستوطنون النار باتجاه البلدة قبل أن تتدخل قوات الجيش بإطلاق النار أيضًا، وفق الرواية الفلسطينية.
وعقب الحادث، فرض الجيش الإسرائيلي حصارًا على مدينة نابلس وأغلق مداخلها الرئيسية، إضافة إلى مداخل عدد من البلدات والقرى المحيطة، وفي مقدمتها بلدة تل، فيما شهدت المحافظة انتشارًا عسكريًا مكثفًا وإقامة حواجز جديدة، بالتزامن مع عمليات تمشيط واسعة وتقييمات أمنية شارك فيها قادة من الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك).
وقال الجيش الإسرائيلي إنه تمكن من "القضاء على منفذ عملية إطلاق النار" واستعادة السلاح الذي قال إنه استولى عليه خلال الهجوم، كما أعلن اعتقال عدد من الفلسطينيين خلال ساعات الليل بدعوى أنهم "مطلوبون"، إلى جانب استجواب آخرين ومصادرة ما وصفه بوسائل قتالية.
وأضاف أن قواته اعتقلت أكثر من 80 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال الأسبوع الماضي، بينهم أشخاص اتهمهم بالانتماء إلى حركة حماس أو بالتحريض وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة.
في الوقت نفسه، امتدت هجمات المستوطنين إلى عدة بلدات في محيط نابلس وقلقيلية، شملت فرعتا وإماتين وجيت وعراق بورين، حيث هاجم عشرات المستوطنين السكان الفلسطينيين وأطلقوا الرصاص الحي وأضرموا النار في أراضٍ زراعية وممتلكات، وسط حماية من الجيش الإسرائيلي، بحسب مصادر فلسطينية.
وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة سبعة فلسطينيين خلال الهجوم على بلدة فرعتا، بينهم ثلاثة أصيبوا بالرصاص الحي في الرأس والصدر والبطن، ووصفت إصاباتهم بالخطيرة، إضافة إلى إصابات أخرى بالرصاص الحي والمطاطي وبالضرب، فيما دفعت الجمعية بتعزيزات من سيارات الإسعاف تحسبًا لتفاقم الأوضاع.
كما هاجم مستوطنون بلدة جيت ورشقوا منازل الفلسطينيين بالحجارة، بينما أضرم آخرون النار في أراضٍ زراعية ببلدة عراق بورين جنوب نابلس، ما أدى إلى اندلاع مواجهات مع الأهالي الذين حاولوا إخماد الحرائق ومنع امتدادها إلى المنازل.
ويأتي هذا التصعيد بعد يوم واحد فقط من مواجهات مشابهة شهدتها المنطقة. ففي الخميس، أصيب مستوطن بجروح خطيرة في حادث طعن قرب مستوطنة "ألون موريه"، فيما أطلق الجيش الإسرائيلي النار على فلسطينيين خلال مواجهات اندلعت عقب قيام مستوطنين بإحراق أراضٍ زراعية بين بلدات سالم وبيت فوريك وبيت دجن شرقي نابلس، وأسفرت الأحداث عن مقتل فلسطينيين واحتجاز جثمانيهما، بحسب مصادر فلسطينية.
في المقابل، أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية مقتل الفلسطينيين الأربعة في بلدة تل، ووصفت ما جرى بأنه "مجزرة" ارتكبها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، معتبرة أن الهجوم يعكس "تكاملًا في الأدوار بين السلطات الإسرائيلية وعصابات المستوطنين"، ويأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية.
كما أظهرت بيانات وزارة الصحة الفلسطينية استمرار ارتفاع حصيلة الضحايا منذ بداية العام، إذ أعلنت الوزارة ارتفاع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026 إلى 87 فلسطينيًا، بينهم 65 قتلوا برصاص الجيش، و21 برصاص مستوطنين، إضافة إلى فلسطيني قتل في مخيم شعفاط بالقدس الشرقية.
وكان قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي آفي بلوط قد حذر، مطلع الأسبوع، من تصاعد اعتداءات المستوطنين، معتبرًا أن ما وصفه بـ"الإرهاب اليهودي" بات يهدد الأمن ويضر بالشرعية الدولية لإسرائيل.
كما اعتبر مركز "بتسيلم" الحقوقي الإسرائيلي أن اعتداءات المستوطنين تمثل نموذجًا لسياسة تشجع "التطهير العرقي" بحق الفلسطينيين، من خلال القتل والاعتقال وهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية ومنع أصحابها من الوصول إليها، إلى جانب التوسع الاستيطاني وتهجير السكان.
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشهد الضفة الغربية تصعيدًا غير مسبوق في الاقتحامات العسكرية وهجمات المستوطنين، أسفر، وفق معطيات فلسطينية رسمية، عن مقتل 1182 فلسطينيًا وإصابة الآلاف، إضافة إلى اعتقال نحو 24 ألف فلسطيني، في ظل استمرار التوتر الأمني واتساع رقعة المواجهات في مختلف أنحاء الضفة.