في وقت تشهد فيه أوروبا الغربية صيفاً استثنائياً، تتخلله درجات حرارة قياسية وموجات حر متكررة، يتواصل الإقبال المرتفع على الساونا، فيما يبحث العلماء ما إذا كان التعرض المنتظم للحرارة قادراً على تعزيز قدرة الجسم على التكيف مع الأجواء الحارة.
يرى البروفيسور ياري لاوكانن، اختصاصي أمراض القلب في جامعة شرق فنلندا، أن التعرض المنتظم للحرارة، سواء عبر الساونا أو استخدام أحواض المياه الساخنة، يساعد الجسم تدريجياً على تطوير آليات طبيعية للتكيف مع الأجواء الحارة.
ويوضح، في حديثه لصحيفة "غارديان" البريطانية، أن هذه الفكرة معروفة منذ سنوات في فسيولوجيا الرياضة، إذ يعتمد الرياضيون على التدريب في بيئات حارة قبل المنافسات التي تُقام في درجات حرارة مرتفعة، مضيفاً أن التعرض غير المرتبط بالنشاط البدني، مثل استخدام الساونا، قد يؤدي إلى تكيفات فسيولوجية مشابهة.
وتشمل هذه التغيرات بدء التعرق في وقت أبكر وبكفاءة أكبر، وتحسن تدفق الدم إلى الجلد، وزيادة حجم بلازما الدم، إضافة إلى تقليل الضغط الواقع على الجهاز القلبي الوعائي عند التعرض لاحقاً للحرارة. ويقول لاوكانن إن هذه التكيفات تساعد الجسم على تنظيم حرارته بصورة أكثر كفاءة.
من جهتها، أشارت الدكتورة جيسيكا مي، الباحثة في جامعة وورسيستر، إلى أن التأثير لا يقتصر على التغيرات الجسدية، بل يمتد أيضاً إلى السلوك، إذ يصبح الأشخاص المعتادون على الحرارة أكثر قدرة على إدارة مجهودهم، والحفاظ على الترطيب، والتعرف مبكراً إلى علامات الإجهاد الحراري.
فوائد محتملة و لكن..
رغم النتائج الواعدة، يؤكد الخبراء أن هذه الفوائد لا تنطبق بالدرجة نفسها على جميع الأشخاص.
وتوضح الدكتورة هيذر ماسي، المتخصصة في علم وظائف الأعضاء والبيئات القاسية بجامعة بورتسموث، أن قدرة الجسم على الاستفادة من التدريب الحراري تعتمد أساساً على كفاءة التعرق وتحسين تدفق الدم إلى الجلد، وهي عوامل تختلف من شخص إلى آخر.
كما يحذر لاوكانن من استخدام الساونا أو الحمامات الساخنة لدى الأشخاص المصابين بأمراض حادة أو الحمى، أو الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو الذين تعرضوا حديثاً لنوبة قلبية، أو يعانون من انخفاض غير مسيطر عليه في ضغط الدم، مؤكداً ضرورة خضوعهم للتقييم الطبي قبل التفكير في مثل هذا النوع من التعرض للحرارة.
ويشير الخبراء إلى أن برامج التكيف الحراري التي أظهرت نتائج إيجابية تعتمد عادة على التعرض للحرارة مدة تتراوح بين 40 و60 دقيقة يومياً، على مدار أربعة إلى ستة أيام على الأقل، مع استمرار آثار هذا التكيف نحو أسبوع، فيما يؤدي التدريب لفترات أطول إلى إطالة مدة الاستفادة.
الساونا ليست حلاً
رغم أن بعض مرافق الساونا بدأت تروج لنفسها باعتبارها وسيلة للمساعدة على مواجهة موجات الحر، فإن العلماء يشددون على أن الأدلة الحالية لا تدعم استخدامها كحل مباشر أثناء موجات الحر نفسها.
ويؤكد لاوكانن أن الفوائد المحتملة ترتبط بالتكيف طويل الأمد الناتج عن التعرض المنتظم للحرارة، وليس باستخدام الساونا خلال الأيام شديدة الحرارة، مشدداً على أن ذلك لا يوفر حماية مؤكدة من الأمراض المرتبطة بالحرارة.
وتتفق الدكتورة جيسيكا مي مع هذا الطرح، موضحة أن التكيف الحراري ينبغي أن يكون جزءاً من الاستعداد خلال الفترات المعتدلة من العام، وليس وسيلة للتعامل مع أشد أيام الصيف حرارة.
وتلفت إلى أن الجسم خلال موجات الحر يكون غالباً مرهقاً بسبب قلة النوم والجفاف والإجهاد المتراكم على القلب والأوعية الدموية، ما يجعل إضافة مصدر جديد للحرارة، مثل الساونا أو الحمام الساخن، خطوة قد تزيد المخاطر بدلاً من تقليلها.
كما أشارت إلى أن معظم الدراسات أُجريت داخل مختبرات أو بيئات خاضعة للإشراف، حيث كانت درجات الحرارة ومدة التعرض مراقبة بدقة، بينما لا تزال سلامة استخدام الساونا أو الحمامات الساخنة في المنازل دون إشراف غير محسومة علمياً، مع اعتبار الإغماء أحد أبرز المخاطر المحتملة.
ويؤكد الخبراء أن أفضل وسائل الوقاية أثناء موجات الحر تبقى الالتزام بإرشادات الصحة العامة، وفي مقدمتها الحفاظ على ترطيب الجسم، وتجنب الأنشطة المجهدة خلال ساعات الذروة، وإيلاء عناية خاصة بالفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، مؤكدين أن التكيف مع الحرارة لا يغني عن هذه الإجراءات الأساسية.