تراجع التضخم الأميركي للشهر الثاني في يوليو مع ارتفاع أسعار المستهلكين ثلاثة فاصل أربعة بالمئة سنويا مقابل ثلاثة فاصل خمسة في يونيو، بما يطابق توقعات الاقتصاديين ولا يمنح معسكري الاحتياطي الفدرالي المنقسمين حججا جديدة قبل قرار الفائدة المقبل.
تراجع نمو الأسعار في أكبر اقتصاد في العالم مجددا الشهر الماضي، بحسب أرقام مكتب إحصاءات العمل الأمريكي المنشورة يوم الأربعاء، لكن بما ينسجم فقط مع التوقعات، ما يجعل قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن أسعار الفائدة في أيلول/سبتمبر غير محسوم.
الأسعار ارتفعت بنسبة 0,1 في المئة على أساس شهري بعد انخفاضها 0,4 في المئة في حزيران/يونيو، ليرتفع المعدل السنوي إلى 3,4 في المئة، وهو مستوى أدنى بكثير من نسبة شهر أيار/مايو البالغة 4,2 في المئة. أما الأسعار الأساسية، المستثنى منها الغذاء والطاقة، فصعدت 0,2 في المئة بعد استقرارها في حزيران/يونيو، لتتراجع على أساس سنوي إلى 2,5 في المئة من 2,6 في المئة.
كل الأرقام جاءت مطابقة لتقديرات الإجماع التي يجمعها مؤشر "داو جونز"، غير أن التراجعات السنوية تعود بدرجة كبيرة إلى المقارنة مع صيف قوي في عام 2025، فيما تسارعت الوتيرة الشهرية بعد القراءة الضعيفة لشهر حزيران/يونيو.
العقود الآجلة للأسهم الأمريكية ارتفعت مباشرة بعد صدور البيانات، بينما قلّص المتعاملون رهاناتهم على تشديد السياسة النقدية.
كما تراجعت سريعا احتمالات رفع الفائدة في أيلول/سبتمبر على أداة "فيد ووتش" التابعة لبورصة "سي إم إي" من 48 في المئة إلى 42 في المئة، لكن أسواق النقد ما زالت تسعّر سيناريو يصعب قراءته، مع احتمالات لا تبتعد كثيرا عن رمية عملة معدنية.
لجنة منقسمة على نفسها
ثبت الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة القياسي بين 3,50 و3,75 في المئة في 29 تموز/يوليو، في خامس اجتماع على التوالي يوقف فيه دورة الرفع، لكن ثلاثة رؤساء إقليميين خالفوا القرار لصالح زيادة بمقدار ربع نقطة مئوية، في أكبر عدد من الأصوات المعارضة في اتجاه واحد منذ نحو عقد.
وقال رئيس المجلس كيفن وورش، الذي ألغى سياسة التوجيهات الاستشرافية وامتنع عن نشر توقعاته الخاصة، إن الاحتياطي الفدرالي "سيوفّر الاستقرار السعري" ولن يتردد في التحرك، بعدما وصف التضخم في وقت سابق بأنه "خيار".
أما التفويض الآخر للاحتياطي الفدرالي فيسير في الاتجاه المعاكس.
فالاقتصاد فقد 23.000 وظيفة في تموز/يوليو، مقارنة بتوقعات بإضافة نحو 83.000 وظيفة، في حين نما متوسط الأجر بالساعة 3,2 في المئة على أساس سنوي، ما جعل الأجور أقل من وتيرة ارتفاع الأسعار وأعاد إحياء الحديث عن ركود تضخمي. ويقترب معدل البطالة، البالغ 4,1 في المئة، من معظم تقديرات "التشغيل الكامل".
وقالت رئيسة فرع كليفلاند للبنك المركزي، بيث هاماك، وهي من المعترضين، يوم الاثنين إن تحركا واحدا فقط بمقدار ربع نقطة مئوية لن يغيّر الكثير، وقد تكون هناك حاجة إلى أكثر من زيادة، معتبرة أن مستويات الفائدة الحالية لا تكبح النمو الاقتصادي بصورة ملموسة.
أما نظيرها في نيويورك، جون ويليامز، فيتوقع تراجع التضخم في النصف الثاني من العام. والمستثمرون منقسمون بدورهم، إذ تذبذبت احتمالات الرفع حول مستوى 50 في المئة هذا الأسبوع، بعد أن كانت عند 67 في المئة قبل أسبوع واحد فقط، وتتغيّر الآن مجددا بعد الأرقام الأخيرة الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
مشكلة النفط لم تُحَلّ بعد
التهديد الأكبر لمسار خفض التضخم يأتي من الخليج.
فمضيق هرمز ما زال مغلقا إلى حدّ كبير، مع عبور ما بين ستة وأحد عشر سفينة يوميا مقابل ما بين 130 و140 سفينة قبل الحرب، فيما تعثرت محادثات إعادة فتحه بسبب مطالب بالتعويضات، مع إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن تدفع إيران أيضا ثمن الأضرار التي تتحمل مسؤوليتها في لبنان وسوريا واليمن وغزة.
وارتفع خام برنت بنحو خمسة في المئة منذ يوم الجمعة إلى أعلى مستوى له منذ 31 تموز/يوليو، أي بما يزيد بنحو 25 في المئة على القاع الذي سجله في مطلع تموز/يوليو.
وقد دفعت الطاقة التضخم في الولايات المتحدة إلى 4,2 في المئة في أيار/مايو، فيما تقدّر مؤسسة "غولدمان ساكس" أن أسعار تذاكر الطيران ارتفعت بنسبة اثنين في المئة الشهر الماضي مع انتقال أثر أسعار وقود الطائرات إليها.
وألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنه سيسمح بتراكم الضغوط الاقتصادية على طهران بدلا من إطلاق حملة جديدة، قائلا لموقع "أكسيوس" إن واشنطن "تتعامل مع الأمر بهدوء"، في إشارة إلى مواجهة طويلة الأمد وعلاوة سعرية مستمرة على النفط الخام.
أرقام الأربعاء ليست الكلمة الأخيرة بشأن التضخم؛ إذ تصدر بيانات أسعار المنتجين يوم الخميس، تعقبها أرقام مبيعات التجزئة وثقة المستهلكين يوم الجمعة، فضلا عن تقرير وظائف جديد وقراءة أخرى للتضخم قبل اجتماع صانعي السياسات في أيلول/سبتمبر.