أخضعت السعودية التحويلات المالية المتجهة إلى الإمارات العربية المتحدة لمستويات إضافية من التدقيق التنظيمي، وفق مصادر مطلعة تحدثت إلى وكالة "رويترز"، في خطوة يرى البعض أنها قد تعكس جانباً من التوتر القائم بين البلدين.
انعكست هذه الخطوة، التي لم تعلن عنها السلطات السعودية رسمياً، بصورة مباشرة على حركة الأموال بين البلدين، إذ أفادت شركات بتأخر تحويلاتها المالية من السعودية إلى الإمارات خلال الأشهر الأخيرة، فيما لجأ بعضها إلى تمرير المدفوعات عبر دول ثالثة لتجاوز هذه الصعوبات وإتمام معاملاته.
وبحسب ثلاثة أشخاص لديهم معرفة مباشرة بالأمر، أدرجت السعودية التعاملات المالية مع الإمارات ضمن فئة تستوجب إجراءات رقابية إضافية، شبيهة بتلك المطبقة عند التعامل مع مناطق قضائية تُصنف على أنها أكثر عرضة لمخاطر التدفقات المالية غير المشروعة. وقال ستة رجال أعمال لرويترز إن تحويلات لشركاتهم، وبعملات مختلفة، تأخرت أو أعادتها بنوك سعودية من دون توضيح رسمي للأسباب.
ويُلزم البنك المركزي السعودي المؤسسات المالية بإجراء عمليات تحقق إضافية عند التعامل مع عملاء أو مناطق ترتفع فيها مخاطر غسل الأموال وتمويل "الإرهاب" وجرائم مالية أخرى. ووفق المصادر الثلاثة، أخطر البنك مصارف رئيسية في المملكة، في وقت سابق من العام، بتطبيق إجراءات مماثلة عند معالجة التسويات المالية المرتبطة بالإمارات.
وأكد مسؤول تنفيذي غربي يدير أعمالاً في السعودية أنه تلقى تفسيراً مماثلاً من مصرفه عندما استفسر عن تأخر بعض المعاملات.
الرياض تنفي فرض قيود مباشرة
رداً على استفسارات رويترز، نفى البنك المركزي السعودي وجود "قيود مباشرة على دول بعينها"، مؤكداً أن المملكة تطبق إطاراً تنظيمياً قوياً لمكافحة غسل الأموال وتمويل "الإرهاب"، بما يتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي "FATF".
وأوضح البنك أن المؤسسات المصرفية السعودية تطبق الضوابط والإجراءات الوقائية وفق تقييماتها الداخلية ومستوى المخاطر الذي تقبل به، مع أخذ مجموعة من العوامل في الاعتبار، من بينها تلك المرتبطة بالدول والمناطق الجغرافية.
في المقابل، قال مسؤول إماراتي إن وزارة الاقتصاد لم تتلق بلاغات من شركات القطاع الخاص بشأن صعوبات أو تأخيرات غير معتادة في التحويلات المصرفية بين الإمارات والسعودية.
وشدد المسؤول على أن البلدين يرتبطان بعلاقات اقتصادية وتجارية "عميقة وطويلة الأمد"، تدعمها تدفقات كبيرة من التجارة والاستثمارات، مضيفاً أن أبوظبي تواصل التواصل مع القطاع الخاص والجهات المعنية، وستراجع أي شكاوى محددة تصل إليها عبر القنوات المناسبة.
وبحسب مصدرين تحدثا إلى رويترز، تضع إجراءات التدقيق الإضافية الإمارات، التي تمثل مركزاً بارزاً للاستثمار العقاري وتجارة المعادن والأحجار الثمينة، إلى جانب أكثر من ست دول في المنطقة تعتبرها السعودية مرتفعة المخاطر في ما يتعلق بالجرائم المالية.
وتضم هذه المجموعة دولاً بينها لبنان وجنوب السودان والعراق، المدرجة على "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي، والتي تشمل مناطق قضائية تخضع لمراقبة متزايدة.
وكانت مجموعة العمل المالي قد أخرجت الإمارات من قائمتها الرمادية عام 2024 عقب إدخال تحسينات على منظومة مكافحة غسل الأموال، رغم انتقادات صدرت آنذاك عن بعض الجماعات المعنية بمكافحة الفساد التي اعتبرت القرار متسرعاً. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أفراد وكيانات تتخذ من الإمارات مقراً لها، متهمة إياها بجمع أموال أو غسلها لصالح جهات من بينها الحرس الثوري الإيراني وحركة الشباب الصومالية المسلحة.
"رسالة خفية" وسط خلافات متراكمة
قال مصدر سعودي مطلع لرويترز إن الخطوة تستهدف توجيه "رسالة خفية" إلى القيادة الإماراتية بشأن أهمية الحفاظ على علاقات جيدة، بعد مرحلة شهدت تصاعداً في التوتر بين الجانبين.
وأربعة مصادر أخرى تعمل في القطاع المالي بالمنطقة، وإن لم تكن مطلعة بصورة مباشرة على دوافع القرار، قدمت قراءة مماثلة للإجراء، في حين لم تجب السلطات السعودية والإماراتية عن أسئلة الوكالة بشأن الأسباب المحتملة وراء الخطوة.
ورغم أن الرياض وأبوظبي تظلان شريكتين اقتصاديتين رئيسيتين، تباعدت مصالحهما تدريجياً في عدد من الملفات، بدءاً من حصص إنتاج النفط والنفوذ الجيوسياسي، وصولاً إلى التنافس على جذب الشركات العالمية والكفاءات ورؤوس الأموال الأجنبية.
وخرجت الخلافات إلى العلن بصورة أكبر في أواخر العام الماضي على خلفية الحرب في اليمن، حيث دعم الطرفان قوى متباينة، فيما اتهمت السعودية الإمارات بتهديد أمنها عبر مساندة قوات انفصالية تقدمت باتجاه حدود المملكة.
كما ظهرت تباينات بشأن كيفية التعامل مع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، رغم محاولة الرياض وأبوظبي إظهار قدر من التنسيق في مواجهة الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً خليجية.
روابط متشابكة بين البلدين
على الرغم من اتساع مساحة الخلاف، تجعل الروابط التجارية والاستثمارية واللوجستية المتشابكة بين البلدين سيناريو القطيعة الاقتصادية الشاملة مستبعداً، وفق محللين يرون أن مثل هذه الخطوة ستكون مكلفة للطرفين.
وتُعد السعودية أكبر شريك تجاري للإمارات في العالم العربي، بينما احتلت الإمارات في عام 2024 المرتبة الخامسة بين أكبر وجهات الصادرات السعودية إجمالاً، والرابعة بين مصادر واردات المملكة، بحسب بيانات منصة مرصد التعقيد الاقتصادي.
وقال جاستن ألكسندر، مدير شركة "خليج إيكونوميكس" الاستشارية المتخصصة في شؤون المنطقة، إن الحرب مع إيران، رغم الخلافات السعودية الإماراتية، "عززت مبررات التعاون" لحماية المصالح الحيوية، ومن بينها العمل على إعادة فتح مضيق هرمز.
وفي محاولة لإبراز استمرار الروابط بين البلدين، نشر مسؤولون إعلاميون بارزون في السعودية والإمارات، الشهر الماضي، بيانات متزامنة على وسائل التواصل الاجتماعي شددوا فيها على العلاقات الأخوية بين الجانبين.
غير أن الخطاب السياسي لا يلغي منافسة اقتصادية تتسارع منذ سنوات، مع سعي كل دولة إلى تقليص اعتمادها على عائدات النفط والغاز والتحول إلى مركز عالمي للأعمال والاستثمار والخدمات المالية.