علّق حزب الله على إعادة إدراجه على لائحة العقوبات الأميركية، معتبراً أن القرار يهدف إلى محاصرة اللبنانيين وتجريد لبنان من عناصر قوته خدمةً لإسرائيل.
زار رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام جنوب لبنان، حيث جدد من مقر قيادة قطاع جنوب الليطاني بالجيش اللبناني في صور تأكيد عزم حكومته على استعادة سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الدستورية، مشدداً على أن انتشار الجيش لا يمثّل مجرد حضور عسكري، بل عودة فعلية للدولة إلى مناطقها.
وبالتزامن مع زيارة سلام، واصلت إسرائيل هجماتها على جنوب لبنان، فنفذت غارات وتفجيرات وقصفاً مدفعياً في عدد من البلدات والمناطق، فيما سُمع دوي انفجارات في أجواء صور خلال إلقائه كلمته أمام العسكريين.
وفي موازاة ذلك، ردّ حزب الله على قرار الإدارة الأميركية إعادة إدراجه على لائحة العقوبات، رافضاً اتهامه بالخضوع لسيطرة فيلق القدس الإيراني، ومعتبراً أن الخطوة تندرج في إطار الضغط عليه وعلى وبيئته وتجريد لبنان مما وصفه بـ"مرتكزات القوة"، مؤكداً تمسكه بحق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم.
سلام من الجنوب: انتشار الجيش هو حضور للدولة
وخلال زيارته ثكنة بنوا بركات في صور، توجه سلام إلى ضباط الجيش وعسكرييه قائلاً إنه يقف بينهم "في قلب الجنوب اللبناني؛ هذا الجنوب الذي دفع من أبنائه وأرضه وبيوته وأرزاقه أغلى الأثمان".
وأعرب عن اعتزازه برجال الجيش ونسائه الذين يؤدون مهماتهم في "واحدة من أدق المراحل التي يمر بها وطننا"، ويتحملون مسؤولية محورية في استعادة سيادة الدولة الكاملة وبسط سلطتها على جميع أراضيها.
وقال سلام إن وجود الجيش في الجنوب "ليس مجرد انتشار عسكري، إنه حضور للدولة"، مضيفاً أن كل موقع ينتشر فيه الجيش تستعيد فيه الدولة سيادتها وسلطتها وهيبتها، وأن كل علم لبناني يرتفع فوق موقع عسكري يشكل رمزاً لشرعية الدولة.
وأكد أن الحكومة تريد للجنوب، كما لكل لبنان، أن يكون تحت سلطة دولة واحدة، وأن يشعر المواطن بالأمان في ظل جيش يحميه، وأن ينعم البلد بالاستقرار مع استعادة الدولة ومؤسساتها الدستورية قرار الحرب والسلم.
الاعتداءات الإسرائيلية في صلب التحديات
وتوقف سلام عند التحديات والأعباء التي يواجهها الجيش، في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية التي تهدد المدن والقرى ومنازل السكان وحقولهم وأشجار الزيتون، مؤكداً أن استعادة السيادة لا تتحقق إلا ببناء دولة قادرة، وأن قيام هذه الدولة غير ممكن من دون جيش واحد قوي.
واستعاد كلام مؤسس الجيش وباني الدولة الحديثة الرئيس الراحل فؤاد شهاب في عيد الاستقلال عام 1960، حين قال إن "الاستقلال الحق لا يؤخذ ولا يعطى، إنه يُبنى"، ليضيف سلام أن "السيادة الحقة بدورها لا تؤخذ ولا تعطى، إنها تُبنى".
وأشار إلى أن حكومته تسير على النهج الذي أرساه شهاب في الاحتكام إلى "الكتاب"، أي الدستور، وفي الإيمان بأن الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات.
وقال إن حكومة "الإصلاح والإنقاذ" التزمت في بيانها الوزاري العمل على قيام دولة وفية للدستور ووثيقة الوفاق الوطني التي اعتمدها اللبنانيون في الطائف، وتنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحصين مؤسسات الدولة وتحديث إداراتها.
وشدد على أن الحكومة لا تزال على عهدها لتحقيق ذلك، بوصفها حكومة متضامنة، وفق ما يتطلبه الدستور وما نصت عليه أول جملة من أول فقرة في بيانها الوزاري.
دعم الجيش خيار استراتيجي
وأكد سلام أن تعزيز الجيش ليس بنداً ثانوياً في برنامج الحكومة ولا مسألة تقنية فحسب، بل "خيار استراتيجي في صميم مشروعنا لاستعادة الدولة".
وأوضح أن الحكومة تواصل حشد الدعم العربي والدولي لتطوير قدرات الجيش البشرية، وتحديث تجهيزاته وتحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية لعسكرييه.
وتأتي مواقف سلام بعد أيام من تسلم رئيس الجمهورية جوزاف عون رسالة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تضمنت دعوة لبنان إلى المشاركة في اجتماع تستضيفه باريس في 17 أيلول/سبتمبر، تحضيراً لمؤتمر دولي مخصص لدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية.
وكان مقرراً عقد المؤتمر في آذار/مارس الماضي، قبل أن يؤدي تجدد الحرب بين حزب الله وإسرائيل في الثاني من الشهر نفسه، على خلفية الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلى تأجيله.
ويتلقى لبنان منذ سنوات وعوداً دولية بمساعدة الجيش على أداء مهماته، في ظل ما يعانيه من نقص في العتاد والعديد والقدرات التقنية.
تحذير من السياسة والطائفية
ورأى سلام أن قوة الجيش لا تقوم على السلاح والعتاد والعديد وحدها، بل تكمن كذلك في وحدته، واصفاً المؤسسة العسكرية بأنها إحدى المؤسسات القليلة التي يلتقي فيها اللبنانيون بصفتهم أبناء وطن واحد، لا أبناء طوائف ومناطق.
وذكّر بأن لبنان عرف في تاريخه الحديث حجم الثمن الذي دفعه عندما ضعفت مؤسسات الدولة وانقسمت، ولا سيما حين عصفت الحرب التي اندلعت عام 1975 بتماسك الجيش.
ودعا العسكريين إلى حماية وحدة مؤسستهم، قائلاً: "لا تسمحوا لأهواء السياسة بأن تفرّق بينكم، ولا تسمحوا لشرور الطائفية بأن تتسلل إلى صفوفكم، ولا تقبلوا إلا بالدستور والقانون مرجعاً لكم".
وأضاف أن اختلاف اللبنانيين في السياسة أمر مشروع، كما أن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية متعددة، لكن إخراج البلاد من كبوتها وإنقاذها يتطلبان "جيشاً واحداً وعلماً واحداً ودولة واحدة".
عودة الدولة لا تقتصر على الانتشار العسكري
وفي الشق الإنمائي من كلمته، شدد سلام على أن السيادة التي تستعيدها الدولة أمنياً ينبغي ترسيخها إنمائياً واقتصادياً واجتماعياً، معتبراً أن عودة الدولة إلى الجنوب لا تكتمل بمجرد انتشار الجيش.
وأوضح أن الحكومة تعمل كي تعود الدولة إلى المنطقة عبر المدرسة والمستشفى والطريق والكهرباء والمياه والإدارة والقضاء وفرص العمل وإعادة الإعمار.
دوي انفجارات خلال كلمة سلام
وبينما كان سلام يلقي كلمته في ثكنة بنوا بركات، سُمع دوي انفجارات في أجواء مدينة صور، وفق ما أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام".
وترددت معلومات عن أن الأصوات ناجمة عن تفجيرات في مشاع المنصوري، جنوب صور، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية على المنطقة.
وبعد انتهاء كلمته ولقائه قيادة الجيش في قطاع جنوب الليطاني، التقى سلام عدداً من أبناء القرى الحدودية عند مدخل الثكنة، واستمع إلى مطالبهم وهواجسهم والتحديات التي يواجهونها في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة وانعكاساتها على حياتهم اليومية.
وأكد ضرورة متابعة أوضاع سكان المناطق الحدودية والوقوف إلى جانبهم وعدم تركهم يواجهون تداعيات الظروف الراهنة بمفردهم، والعمل على معالجة حاجاتهم ومطالبهم ضمن إمكانات الدولة ومؤسساتها.
غارات وتفجيرات من بنت جبيل إلى صور
ميدانياً، واصلت إسرائيل اعتداءاتها على جنوب لبنان خلال الليل وصباح الخميس، إذ شنت مقاتلة إسرائيلية غارة على منزل عند أطراف بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، ما أدى إلى تدميره.
كما نفذت القوات الإسرائيلية تفجيراً في بلدة مجدل زون، بالتزامن مع قصف الأراضي الواقعة بين بلدتي المنصوري ومجدل زون، جنوب صور، واستهداف بلدة المنصوري التي كانت قد تعرضت أيضاً لغارات جوية ليلية.
وطاول القصف المدفعي الإسرائيلي المتقطع أطراف بلدة ميفدون قرب زوطر الشرقية.
كذلك نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً ضخماً على مرحلتين في المنطقة الواقعة بين بلدتي أرنون وكفر رمان، تردد صداه في مختلف البلدات الجنوبية، وفق "الوكالة الوطنية للإعلام".
حزب الله يرد على واشنطن
وفي خضم التطورات السياسية والميدانية، رد حزب الله على بيانَي وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين اللتين اتهمتاه بالخضوع لسيطرة فيلق القدس، واستخدمتا ذلك لتبرير إعادة إدراجه على لائحة العقوبات.
واعتبر الحزب أن القرار يشكل حلقة جديدة في السياسات الأميركية المستمرة لاستهدافه وبيئته ومناصريه، ومحاصرتهم والضغط عليهم سياسياً ومالياً وأمنياً، بهدف حماية إسرائيل وتثبيت احتلالها أجزاء من جنوب لبنان وفتح الطريق أمام مشاريعها التوسعية في المنطقة، وفق تعبيره.
ووصف القرار بأنه "قديم جديد"، معتبراً أن الإدارة الأميركية لا تزال تتعامل مع لبنان من موقع الوصاية، وتستخدم العقوبات لفرض إرادتها على الدول والشعوب.
وقال إن واشنطن، بدلاً من إلزام إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان ووقف اعتداءاتها وتفجير المنازل وجرف الحقول وقتل اللبنانيين، تتجه إلى حصار اللبنانيين وتجريد بلدهم من "مرتكزات القوة"، معتبراً أن هذه السياسة تهدف إلى إحداث اضطرابات داخلية وتحويل مسار المواجهة مع إسرائيل إلى اتجاه آخر.
تمسك بالعلاقة مع إيران
ورفض حزب الله التشكيك في هويته اللبنانية، قائلاً إنه لا ينتظر من أحد شهادة على "لبنانيته ووطنيته"، وإن تضحيات عناصره وتاريخه في "مقاومة "الاحتلال والدفاع عن الأرض والسيادة تمثل، من وجهة نظره، الشهادة الفعلية على ذلك.
وفي الوقت نفسه، أكد اعتزازه بعلاقته الوثيقة مع إيران، قائلاً إنها وقفت إلى جانب لبنان ودعمته في تحرير أرضه واستعادة سيادته وحقوقه، وساندته في الأزمات، وكانت من أوائل الدول التي ساهمت في إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل خلال حرب تموز/يوليو 2006.
وهاجم الحزب سجل الولايات المتحدة، من فيتنام وأفغانستان والعراق إلى دعمها إسرائيل في حرب غزة وتغطيتها ما ترتكبه من قتل وتدمير في لبنان واليمن وسوريا، إضافة إلى مشاركتها في القصف على إيران، معتبراً أن واشنطن لا تتمتع بأهلية أخلاقية أو قانونية لتصنيف الآخرين أو منحهم شهادات في الوطنية.
ورأى الحزب أن "واشنطن حولت العالم إلى شريعة غابة ينهش فيها القوي الضعيف، وهذا يجعلها في موقع أم الإرهاب في العالم، وينزع عنها أي حق في أن تنصب نفسها حكمًا على العالم وشعوبه"، على حد تعبيره.