Loader
ابحثوا عنا
اعلان

"الجيل الضائع": أطفال لبنان يدفعون كلفة الحرب والأزمات..تأخر 4 سنوات في التعليم والقلق ينتاب 70%

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت يلعبون كرة القدم داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت، في 27 آذار 2026.
أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت يلعبون كرة القدم داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت، في 27 آذار 2026. حقوق النشر  AP Photo
حقوق النشر AP Photo
بقلم: Clara Nabaa & يورونيوز
نشرت في
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل
شارك Close Button

سنوات من الأزمات المتلاحقة تركت آثارها على تعليم الأطفال في لبنان، قبل أن تأتي الحرب الإسرائيلية وما رافقها من موجة نزوح لتسحبهم نحو الهوة، وتضيف تحديات جديدة إلى قطاع يعاني أساساً من فاقد تعليمي متراكم، وتضع الأطفال أمام ضغوط نفسية واجتماعية باتت تؤثر في قدرتهم على التعلّم.

بات هذا الواقع حقيقة لا يرقى إليها شكّ، وقد تجلى ذلك في تقييم بحث بعنوان "الجيل الضائع: كلفة الحرب والأزمات على تعليم الأطفال في لبنان"، أعدّه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت وصدر في 21 آب/أغسطس 2026، متناولاً واقع تعليم الأطفال اللبنانيين في ظل الأزمات المتراكمة.

اعلان
اعلان

ويُعيد التقييم جذور الأزمة إلى سنوات من الانهيار الاقتصادي والمالي، وجائحة كورونا، وإضرابات المعلمين، وعدم الاستقرار السياسي، والانقطاعات المتكررة عن الدراسة، قبل أن تأتي الحرب التي فاقمت المشكلات القائمة حتى بلغ السيل الزبى.

وتظهر النتائج أن التلاميذ في لبنان خسروا ما يعادل ثلاثة أيام تعلّم من كل خمسة، فيما برزت فجوات واسعة في المهارات الأساسية في الرياضيات والقراءة والكتابة، وصلت لدى تلاميذ الصف السادس إلى تأخر يقدّر بأربع سنوات ونصف السنة في القراءة والكتابة.

الحرب تضاعف خسائر التعليم

مع الحرب والنزوح، ازدادت الضغوط على قطاع التربية، إذ تحوّل نصف المدارس الرسمية خلال ذروة الأزمة إلى مراكز لإيواء النازحين، ما أثّر في تعليم أكثر من ربع مليون تلميذ. كما بقي أكثر من نصف الأطفال النازحين في مراكز الإيواء خارج التعليم الابتدائي، وستة من كل عشرة مراهقين خارج التعليم الثانوي، وفق التقييم.

لكن الانقطاع عن المدرسة ليس وحده ما يحدد قدرة الطفل على التعلّم، إذ يمكن لتجربة الحرب نفسها وما يصاحبها من خوف مستمر أن تؤثر في قدراته الذهنية حتى عندما يصبح التعليم متاحاً من جديد.

في هذا السياق، تشرح الأخصائية الاجتماعية والمعالجة النفسية غنوة يونس لـ"يورونيوز" أن الحرب لا تمس الأمان الجسدي للطفل فحسب، وإنما إحساسه بالأمان النفسي أيضاً، وهو عنصر أساسي حتى يتمكن من التعلّم، إذ يحتاج إلى الشعور بأنه موجود في بيئة آمنة ومستقرة نسبياً.

فعندما يعيش الطفل تحت ضغط الخوف المستمر، بحسب يونس، يصبح جزء كبير من طاقته النفسية والعقلية موجهاً نحو مراقبة الخطر، وتنشغل أفكاره بأسئلة من قبيل: هل سيحدث شيء؟ أين أهلي؟ هل المكان آمن؟ وهل علينا أن نهرب؟ وفي هذه الحالة، يتراجع التعلّم على سلم أولويات الدماغ، حتى وإن كانت المدرسة مفتوحة والتعليم متاحا.

أطفال نازحون يلعبون بالكرة في باحة مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في صيدا جنوبي لبنان، في 14 نيسان 2026.
أطفال نازحون يلعبون بالكرة في باحة مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في صيدا جنوبي لبنان، في 14 نيسان 2026. AP Photo

وتزداد الصعوبة في حال الاعتماد على التعليم عبر الإنترنت، الذي يحتاج إلى بيئة هادئة ومريحة وآمنة حتى يستطيع الطفل الاندماج في العملية التعليمية، وهي ظروف قد يصعب توفيرها خلال الحرب والنزوح. وهكذا، قد يكون الطفل موجوداً في الصف، من دون أن يكون قادراً نفسياً وعقلياً على الانخراط في التعلّم.

وتنعكس الضغوط المستمرة أيضاً على الانتباه والذاكرة العاملة والقدرة على معالجة المعلومات، وفق يونس، فقد ينسى الطفل بسرعة، أو يحتاج إلى وقت أطول للاستيعاب، أو يتشتت ويجد صعوبة في إكمال المهمات وتذكّر معلومات كان يعرفها سابقاً.

أما داخل الصف، فقد تظهر هذه التأثيرات في أشكال مختلفة: من ضعف التركيز وكثرة الحركة والدخول في مشكلات مع الزملاء، إلى الصمت والانسحاب. وتحذّر يونس من تفسير كل تغير سلوكي باعتباره "قلة أدب" أو "إهمالاً"، لأن السلوك قد يكون أحياناً الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها الطفل للتعبير عما لا يستطيع الحديث عنه.

التأثيرات النفسية على الطفل

توضح المعالجة النفسية أن آثار الحرب لا تظهر بالطريقة نفسها لدى جميع الأطفال، إذ تختلف بحسب العمر ومرحلة النمو النفسي وشخصية الطفل ومدى تعرضه للخطر وطبيعة التجربة التي مرّ بها، فضلاً عن وجود أشخاص في حياته يكونون دعما وسندا له.

وقد يعبّر الطفل الأصغر سناً عن خوفه من خلال التعلق الزائد بأهله أو مشكلات النوم أو التبول اللاإرادي أو البكاء والتغيرات السلوكية، فيما قد تظهر لدى الأكبر سناً في صورة عصبية أو انسحاب أو تراجع دراسي أو فقدان الاهتمام بأشياء كانوا يحبونها سابقاً.

أطفال يلعبون أمام خيام عائلاتهم في بيروت، بعد فرارهم من القصف الإسرائيلي، في 30 حزيران 2026.
أطفال يلعبون أمام خيام عائلاتهم في بيروت، بعد فرارهم من القصف الإسرائيلي، في 30 حزيران 2026. AP Photo

وتتقاطع هذه التأثيرات مع النتائج النفسية والاجتماعية التي يعرضها تقييم الحالة، إذ تشير البيانات إلى أعراض مرتبطة بالقلق لدى سبعة من كل عشرة أطفال، وأخرى مرتبطة بالاكتئاب لدى نحو ستة من كل عشرة.

إلا أن ظهور الخوف أو الحزن بعد تجربة قاسية لا يعني بالضرورة، بحسب يونس، أن الطفل يعاني اضطراباً نفسياً، إذ يمكن لبعض ردود الفعل أن تكون استجابة طبيعية لظرف غير طبيعي. ويصبح الانتباه ضرورياً عند حدوث تغير مستمر مقارنة بسلوكه السابق، خصوصاً إذا امتد لفترة زمنية كافية قد تصل إلى نحو شهرين، وكانت الأعراض شديدة أو بدأت تؤثر في حياته اليومية وعلاقاته وقدرته على التعلّم.

علامات لا ينبغي تجاهلها

يضع التقييم الانقطاع عن المدرسة في إطار أوسع مما يسمى الفاقد التعليمي ويعني تأخر الطفل في التعلم واكتساب مهارات مقارنة مع المستوى الدراسي الذي يجب أن يكون فيه، لما تحمله هذه المشكلة من خسارة للروتين والاستقرار والعلاقات الاجتماعية التي تشكل جزءاً من حياة الطفل اليومية.

وفي هذا السياق، تشير يونس إلى أن المدرسة قد تتيح رصد التغيرات التي تطرأ على الطفل، إذ يمكن لشخص بالغ فيها أن يلاحظ سلوكاً غير معتاد أو مؤشرات تستدعي اهتماماً أكبر.

ومن هنا، ترى الأخصائية أن استمرارية التعليم خلال الأزمات تحمل أهمية نفسية واجتماعية تتجاوز الدروس والمناهج، بينما قد يؤدي فقدان الروتين مع الانقطاع عن المدرسة إلى زيادة شعور الطفل بالفوضى وعدم الاستقرار.

وتشير يونس إلى أن استمرار الشعور بالخوف أو الكوابيس، أو حدوث تراجع واضح ومتواصل في الدراسة أو السلوك، أو الانسحاب الشديد ونوبات الانفعال المتكررة والمشكلات الكبيرة في النوم أو الطعام، كلها حالات قد تستدعي اللجوء إلى مساعدة نفسية متخصصة. كما أن التقييم النفسي قد يكون مفيداً للطفل الذي فقد شخصاً قريباً أو مرّ بتجربة عنيفة جداً، حتى في غياب أعراض شديدة الوضوح.

وترى المعالجة أن مساعدة الأطفال تبدأ بمحاولة توفير قدر من الاستقرار في حياتهم اليومية، من خلال الحفاظ قدر الإمكان على مواعيد النوم والطعام، وتخصيص وقت للعب وآخر للدراسة، وإيجاد أنشطة يومية متوقعة. كما تشدد على أهمية الاستماع إلى مخاوف الطفل وعدم التقليل منها أو تقديم وعود لا يستطيع البالغون الوفاء بها، لأن ذلك قد يخلق لاحقاً أزمة ثقة تضاف إلى الخوف الذي يعيشه.

أطفال يلعبون بعبوات مياه بلاستيكية في أحد شوارع حلتا جنوبي لبنان، في 12 حزيران 2026.
أطفال يلعبون بعبوات مياه بلاستيكية في أحد شوارع حلتا جنوبي لبنان، في 12 حزيران 2026. AP Photo

وفي المدرسة، يحتاج بعض الأطفال الذين مروا بتجارب قاسية إلى مرونة أكبر في المتطلبات، سواء بمنحهم وقتاً أطول أو دعماً إضافياً أو تخفيف بعض الأعباء لفترة معينة، بالتوازي مع تعزيز التعاون بين الأهل والمعلمين، خصوصاً أن الطفل قد يظهر سلوكاً في المنزل يختلف تماماً عما يظهره في المدرسة.

وفي موازاة ذلك، يضع تقييم الحالة جزءاً أساسياً من المسؤولية على طريقة إدارة الاستجابة التعليمية للأزمات، إذ يخلص إلى أن المشكلة لم تكن في غياب المعلومات بشأن احتياجات الأطفال بقدر ما ارتبطت بضعف الاستجابة والتنفيذ وترتيب الأولويات. فبينما تحولت المدارس سريعاً إلى مراكز إيواء، لم تُنفذ إجراءات ضمان استمرارية التعليم بالسرعة نفسها.

ويدعو التقييم، بناءً على ذلك، إلى التعامل مع التعليم باعتباره جزءاً أساسياً من الاستجابة للطوارئ منذ بدايتها، وإعطاء الأولوية لتعويض الفاقد في المهارات الأساسية، وإيصال التعليم إلى الأطفال في أماكن النزوح عبر بدائل مناسبة، إلى جانب حماية المدارس وإزالة العوائق الإدارية التي تؤخر الاستجابة، ووضع مصلحة الطفل ورفاهه النفسي والاجتماعي في صلب القرارات التعليمية.

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل

مواضيع إضافية

سباق السيطرة على هرمز يحتدم بين واشنطن وطهران.. وتصعيد إسرائيلي في لبنان وغزة والضفة المحتلة

إسرائيل تشكو لواشنطن أداء الجيش اللبناني في جنوب لبنان.. وجدل حول قناة أميركية مع حزب الله

إسرائيل توسّع تصعيدها في جنوب لبنان.. سلسلة غارات تسفر عن مقتل سيدة وإصابة آخرين