حذر علماء من أن دولة أوروبية بعينها ستتضرر بشدة من ظروف مناخية حارة تزيد خطر الحرائق إذا لم يتوقف اعتماد العالم على الوقود الأحفوري.
تحذّر دراسة جديدة من أنّ الأطفال والرضع الذين يولدون اليوم سيعانون خلال حياتهم من ثلاثة أعوام إضافية من "طقس حرائق شديد" مقارنةً بأجدادهم، ما لم تُخفَّض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
أوروبا تزداد حرارة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بأكثر من الضعف، ما يمهّد لمزيد من موجات الطقس المتطرف. وبعد موجات الحر المتتالية التي ضربت القارة وأحرقتها، تعرضت مناطق واسعة من أوروبا هذا العام لفترات طويلة من الجفاف.
وهي ظروف مثالية لنشوب حرائق غابات قاتلة اجتاحت إسبانيا وفرنسا واليونان، وأتت على مئات آلاف الهكتارات، وتسببت في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء منذ الحرب العالمية الثانية.
وتحذّر أبحاث جديدة صادرة عن جامعة "فرايي" في بروكسل من أنّ تسارع احترار أوروبا ستكون له عواقب وخيمة على الأجيال الشابة، رغم أنها أسهمت بأقل قدر في التسبب بتغيّر المناخ.
أطفال أوروبا يواجهون مزيدا من "طقس الحرائق الشديد"
وتبيّن الدراسة (المصدر باللغة الإنجليزية)، المنشورة في دورية "رسائل أبحاث البيئة"، أن الطفل الذي سيولد في أوروبا في 2025 سيعيش أكثر من ثلاثة أعوام إضافية تحت ظروف طقس حرائق شديد مقارنةً بمن وُلد في 1950، إذا استمرت السياسات المناخية الحالية على حالها. ويمثل ذلك زيادة بنسبة 84 في المئة للأطفال الحاليين مقارنةً بأجدادهم.
وتقول روزا بيترويستي، المؤلفة الرئيسية للدراسة: "إن الطفل الذي يولد اليوم في أوروبا سيقضي أعواما إضافية من حياته في ظل ظروف طقس حرائق شديد، ويكون هذا العبء ثقيلا بشكل خاص في منطقة البحر الأبيض المتوسط".
ويعرّف الباحثون الطقس الحارق الشديد بأنه الأيام التي يتجاوز فيها مؤشر طقس الحرائق (FWI) أعلى خمسة في المئة من الأيام المسجلة في البلد بين 1985 و2014.
وتُسجَّل أكبر الزيادات المتوقعة في منطقة البحر المتوسط، وهي منطقة تعاني أصلا بقوة من حرائق الغابات.
ووفق تقديرات الباحثين، سيواجه المولودون هنا في 2025 ما يصل إلى 2.5 مرة من التعرض لطقس الحرائق الشديد مقارنةً بمن وُلدوا في 1950، أي ما يزيد على خمسة أعوام إضافية من هذا الطقس خلال حياتهم، إذا وصل الاحترار المناخي إلى 2.6 درجة إضافية بحلول 2100.
وتعدّ البرتغال الدولة الأوروبية التي شهدت أعلى نسبة من أراضيها المحترقة في العقود الأخيرة. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد أيام الطقس الحارق الشديد هناك أكثر من مرتين، من 14 يوما في السنة بين 1950 و1970 إلى 32 يوما سنويا بحلول 2100 وفق السياسات المناخية الحالية.
ويعني ذلك أن الطفل المولود اليوم في البرتغال سيقضي، بحسب التقديرات، نحو 6.5 عاما من حياته في ظل ظروف طقس حرائق شديد إذا استمرت السياسات الحالية دون تغيير.
ويضيف الباحثون أن كل درجة إضافية من الاحترار العالمي بحلول نهاية القرن ستزيد حياة طفل برتغالي مولود في 2025 بنحو 272 يوما من طقس الحرائق الشديد.
وتوضح بيترويستي أن هذا الواقع هو ما يدفع حركات العدالة المناخية التي يقودها الشباب، والمبادرات القانونية، إلى المطالبة اليوم بإجراءات مناخية أكثر طموحا من الحكومات والشركات، حتى يمكن تجنب "أسوأ آثار المخاطر المناخية المستقبلية على حياتهم".
كيف نحمي الأوروبيين في المستقبل من طقس الحرائق الشديد؟
وتخلص الدراسة إلى أن الخفض السريع لاستخدام الوقود الأحفوري من شأنه تقليل التعرض لطقس الحرائق الخطير في جميع المناطق.
فخفض الانبعاثات بما يتماشى مع هدف اتفاق باريس المتمثل في حصر الاحترار عند 1.5 درجة بحلول 2100، من شأنه تقليص فترة التعرض على مدى الحياة لمن وُلدوا في 2025 بنحو 1.3 عام في المتوسط في أوروبا، وبأكثر من عامين في المناطق الأكثر تأثرا بجنوب القارة.
ويقول ويم ثييري، المؤلف الرئيسي المشارك في الدراسة، إن تحقيق هذا الهدف "ممكن تماما" مع استمرار انخفاض تكاليف طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ويضيف: "إن كل جزء من درجة احترار نتجنبه ينعكس مباشرة في عدد أقل من أيام طقس الحرائق خلال حياة الطفل، ما يمنحه فرصة لحياة مكتملة وأكثر صحة، و تعليم أفضل".
ويتابع: "هذا يعني عددا أقل من الحيوات التي تُبتر بقسوة، ومنازل وأحلاما أقل تلتهمها النيران، وأشخاصا أقل يصابون بصدمات جراء الإصابة والفقدان".
وفي مطلع هذا الشهر، حذّرت الأمم المتحدة من أن الإبقاء على الاحترار العالمي دون عتبة 1.5 درجة لم يعد ممكنا، متوقعة في أفضل الأحوال احترارا قدره 1.8 درجة، وأكثر من 2 درجة في بعض السيناريوهات.
ويضيف تقرير البرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) أن "التجاوز ثم بلوغ الذروة فالتراجع" بات أفضل سيناريو يمكن التعويل عليه الآن.
وقد جرى تحديد التحول إلى الطاقة النظيفة كعنصر أساسي للحد من حجم وفترة هذا التجاوز بحيث يكون "صغيرا وقصيرا قدر الإمكان". ففي 2025، أنتجت مصادر الطاقة المتجددة ما يقرب من 34 في المئة من الكهرباء في العالم، لكن يتعين رفع هذه النسبة إلى ما بين 60 و70 في المئة بحلول 2030 لمساعدة العالم على تحقيق سيناريو تجاوز محدود، بحسب تقرير يونيب.