كشف تحقيق لشبكة "CBS News" الأمريكية أن مستوطنين إسرائيليين متطرفين يستخدمون مزارع الأغنام وقطعانها وسيلةً لتوسيع سيطرتهم على الأراضي في الضفة الغربية، عبر ترهيب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة منازلهم، وسط اتهامات للحكومة الإسرائيلية بدعم هذه الممارسات وتوفير الحماية لمرتكبيها.
وفقاً للتحقيق، الذي بثّه برنامج "60 دقيقة" يوم الأحد، باتت قطعان المستوطنين تسيطر على نحو 20% من مساحة الضفة الغربية، فيما تعرّض أكثر من 100 تجمع سكاني فلسطيني للتهجير أو الإزالة نتيجة الاعتداءات المتواصلة والتوسع في مناطق الرعي.
ونقلت الشبكة عن رئيس بلدية فلسطينية قوله إن المستوطنين "استولوا بالفعل على الأراضي باستخدام أغنامهم"، فيما أوضح معلّم فلسطيني أن القطعان تدخل إلى الممتلكات الخاصة، وتلتهم الأشجار المحيطة بالمنازل، في ممارسات تهدف إلى التضييق على أصحابها.
وسيلة لفرض السيطرة
أقرّ مردخاي مينستر، صاحب مزرعة أغنام استيطانية، باستخدام الرعي لفرض السيطرة على الأراضي ومنع الفلسطينيين من زراعتها أو البناء فيها، مدافعاً عن وجود المستوطنين رغم الاعتداءات على القرى المجاورة.
وفي حديثه عن مجموعة "شباب التلال"، أوضح أن بعض أفرادها يعانون مشكلات سلوكية وينخرطون في أعمال الرعي والبناء. ورغم إقرار مينستر بوجود ممارسات عنيفة وسقوط قتلى فلسطينيين، رفض وصف الاعتداءات بأنها "إرهاب"، كما فعل السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، معتبراً أن هذه الحوادث لا تنفي، من وجهة نظره، حق المستوطنين في الأرض.
وفي الجانب الفلسطيني، وثّق التحقيق شهادات من عائلة فرج، حيث روى محمود فرج وابن عمه حسن وابنته سلمى تفاصيل الاعتداءات التي غيّرت حياة السكان. وقال حسن إن مجموعة تضم نحو 20 إلى 25 مستوطناً اقتحمت أراضي العائلة في 26 آذار/مارس، ونصبت خيمة داخل ممتلكاتها، قبل أن تبدأ بالتصرّف كما لو أنها تملك المنطقة بأكملها.
وأوضح أن عدداً من الفلسطينيين اضطروا إلى ترك منازلهم، فيما بات آخرون عاجزين عن الوصول إلى أراضيهم، متهماً المستوطنين بسرقة المياه والكهرباء واتباع استراتيجية تقوم على "جعل المنطقة غير صالحة للعيش".
وروى حسن تفاصيل هجوم تعرّضت له عائلته عندما حاول أفرادها الاقتراب من منزلهم، قائلاً إن مستوطنين هاجموهم بالعصي والحجارة والغاز المسيل للدموع، بينما كان ثلاثة منهم يحملون أسلحة نارية. وأضاف أن أحد المسلحين أطلق النار على ابن عمه فأصابه في رأسه، قبل أن يواصل المهاجمون ضربه ووالده بالعصي، رغم أن الابن كان قد فارق الحياة.
اعتداء أمام الكاميرات
خلال مرافقة فريق "CBS" لعائلة فرج إلى المنزل، اعترض طريقهم شبان من "شباب التلال" يرتدون ملابس سوداء، في مشهد وثّقته كاميرات البرنامج.
وكان برفقتهم أيضاً ناشطون يهود من مجموعة "أبناء إبراهيم"، التي تعمل على حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، عبر مرافقتهم إلى ممتلكاتهم ومحاولة منع المواجهات. وقال أحد أعضاء المجموعة، ويدعى روعي، إن المستوطنين يحاولون إبعاد الناشطين والكاميرات، واستفزازهم لدفعهم إلى الرد جسدياً، بما يمنح المعتدين ذريعة لتصعيد العنف.
وأوضحت إحدى الناشطات أنها نشأت في مستوطنة إسرائيلية قبل أن تغيّر موقفها، معتبرةً أن غضب المستوطنين من المجموعة يعود إلى كون أعضائها يشكلون تحدياً لأفكارهم، خصوصاً أنهم يهود يعارضون ممارساتهم.
وأظهر التحقيق أحد المستوطنين وهو يسأل ستال إن كانت تؤيد حركة "حماس"، قبل أن يعتدي على حسن فرج بنطحه في وجهه مرتين. وردّ الأخير قائلاً: "هذه أرضي، ولن تبقى هنا. هذه جذوري".
ومع تصاعد التوتر، وصل ضابط إسرائيلي برفقة جنود، وتدخلوا لإخراج ناشطين حاصرهم المستوطنون، قبل أن يأمروا الجميع بمغادرة المكان، غير أن ستال لفتت إلى أن الجيش سمح لأفراد "شباب التلال" بالعودة إلى المنزل، بينما منع العائلة الفلسطينية من الوصول إليه، معتبرةً أن تصرف الجنود يعكس إعطاء الأولوية للمستوطنين.
وأضافت أن بعض العسكريين الإسرائيليين ينتمون إلى المستوطنات ويشاركون أحياناً في الاعتداءات، رغم تسجيل حوادث هاجم فيها مستوطنون شبان جنوداً إسرائيليين.
اتهامات بدعم حكومي
تناول التحقيق دور السلطات الإسرائيلية في توسيع النشاط الاستيطاني، إذ أفادت ستال بأن الحكومة خصصت عشرات ملايين الدولارات لدعم مزارع الأغنام، وتسليح القائمين عليها وتزويدهم بمركبات أمريكية الصنع مخصصة للطرق الوعرة.
وفي هذا السياق، رفض روعي اختزال ما يجري بمصطلح "عنف المستوطنين"، قائلاً: "إنه عنف تمارسه الدولة، إنه عنف حكومة".
وعقب بث الحلقة، أصدرت مجموعة "أبناء إبراهيم" بياناً أكدت فيه أنها رافقت رجلاً فلسطينياً إلى منزله الذي أُبعد عنه مؤخراً في قرية جنّة، قرب بؤرة "كوخاف يهودا" الاستيطانية، المتفرعة من "مزرعة إيتام".
وأوضحت أن المستوطنين حوّلوا المنزل إلى مرحاض تابع للبؤرة، ومنعوا صاحبه من دخوله واعتدوا عليه، فيما أجبر الجنود الفلسطينيين والناشطين على الابتعاد عن الموقع.