يتناول تحليل نشرته شبكة "سي إن إن" أسباب صعوبة حماية السعودية لمنشآتها رغم إنفاقها مليارات الدولارات على الدفاع، والخيارات المتاحة أمام الرياض للتصدي لهجمات الحوثيين.
تواجه السعودية تحدياً متزايداً في حماية منشآتها الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيّرة من جماعة أنصار الله "الحوثيين"، رغم إنفاقها العسكري الضخم وامتلاكها منظومات دفاعية متطورة، فيما يهدد استمرار الهجمات طموحاتها الاستثمارية والسياحية؛ فما الخيارات المتاحة أمام الرياض لاحتواء هذا التهديد والحد من كلفته الأمنية والاقتصادية؟
يرى الصحافي تيم ليستر، في تحليل نشرته شبكة "سي إن إن"، أن الإجابة ترتبط بصعوبة حماية شبكة واسعة من المنشآت السعودية، وتنامي القدرات الحوثية، وحدود الدعم الخارجي. ويعرض التحليل خيارات المملكة بين تعزيز دفاعاتها والتصعيد العسكري والعودة إلى التفاوض، وما يحمله كل مسار من تحديات.
ترسانة متطورة وجغرافيا واسعة
يستهل ليستر تحليله بالإشارة إلى أن السعودية تنفق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً على الدفاع، لكنها لا تزال تجد صعوبة في حماية المطارات ومصافي النفط وخطوط الأنابيب من الهجمات الحوثية. وخلال الأسبوع الماضي، تعرض المطار الرئيسي الذي يخدم الرياض لهجمات دامية، رغم امتلاك المملكة دفاعات جوية متعددة الطبقات وأسلحة متقدمة من الولايات المتحدة وأوروبا.
وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام التي يستند إليها التحليل، أنفقت السعودية 83 مليار دولار على الدفاع في العام الماضي، لتكون بين الدول العشر الأكثر إنفاقاً عسكرياً في العالم. وشملت مشترياتها مقاتلات أمريكية ومنظومات "باتريوت" و"ثاد"، إلى جانب أسلحة متطورة من فرنسا والمملكة المتحدة.
لكن ليستر يلفت إلى أن المملكة، التي تعادل مساحتها نحو خُمس مساحة الولايات المتحدة، تواجه تهديدات من ثلاث جهات. فمن الشرق، أطلقت إيران نحو ألف صاروخ وطائرة مسيّرة نحو أهداف سعودية خلال ذروة الصراع هذا العام. ومن الشمال، هاجمت ميليشيات عراقية مدعومة من طهران بطائرات مسيّرة خط أنابيب النفط الحيوي "شرق-غرب". ومن الجنوب، يطلق الحوثيون المدعومون من إيران صواريخهم من مخابئ ومنصات متحركة في جبال اليمن.
وتتطلب حماية هذه المساحة تأمين شبكة واسعة من الأهداف. وينقل التحليل عن موقع "Vision2030.ai"، المستقل والمتخصص في التحول الاقتصادي للمملكة، أن الدفاعات مطالبة برصد التهديدات وتحديد ما يستوجب اعتراضه وتحذير المدنيين خلال لحظات.
ورغم اعتراض كثير من الصواريخ والمسيّرات الحوثية، تتمكن أخرى من الوصول إلى أهدافها. ويقول مصدر سعودي استند إليه ليستر إن كثرة المنشآت المعرضة للهجوم تفرض خيارات صعبة على وزارة الدفاع بشأن توزيع الأنظمة المتاحة.
كيف يتجاوز الحوثيون الدفاعات؟
يوضح تحليل "سي إن إن" أن الحوثيين طوّروا أسلوباً يجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة بعيدة المدى لإرباك الدفاعات السعودية، ويقارنه بالهجمات الروسية المكثفة على أوكرانيا، التي تستخدم هذه الأسلحة معاً.
وتصعّب الارتفاعات المنخفضة لصواريخ كروز رصدها وتتبعها، فيما أدخلت الجماعة جيلاً جديداً من الصواريخ الباليستية تزعم أنه قادر على المناورة. ويؤكد ليستر أن أي منظومة دفاع جوي لا تستطيع ضمان اعتراض كل تهديد، مشيراً إلى أن تطور القدرات الحوثية لم يتحقق بمعزل عن الدعم الخارجي.
فقبل ثماني سنوات، رصد خبراء الأمم المتحدة بقايا صواريخ ومعدات عسكرية وطائرات مسيّرة إيرانية المنشأ أُدخلت إلى اليمن رغم الحظر الدولي على الأسلحة. وقبل عامين، وصفت اللجنة نفسها حجم ونطاق الدعم العسكري الخارجي للحوثيين، بما يشمل التكنولوجيا والتمويل وتدريب المقاتلين، بأنه غير مسبوق.
ويورد التحليل تقديرات خبراء تشير إلى التشابه الكبير بين تصميم الصاروخين بحوزة الحوثيين "حاتم-2" و"فلسطين-2" والأسلحة الإيرانية، وإلى ما يتمتعان به من سرعة ودقة.
وفي العام الماضي، اخترق صاروخ أطلقه الحوثيون الدفاعات الجوية الإسرائيلية وسقط قرب مطار بن غوريون. ووصف المحلل أمير بار شالوم الهجوم، في حديث إلى "سي إن إن" آنذاك، بأنه بالغ الدقة، معتبراً تحقيق إصابة بهذه الدقة من مسافة ألفي كيلومتر أمراً مثيراً للإعجاب.
كما ينقل ليستر عن العميد ماجد النزيلي، المتحدث باسم القوات الحكومية اليمنية، أن الحوثيين عدّلوا أسلحة دفاع جوي إيرانية لاستهداف الطائرات وصواريخ كروز. وقال النزيلي الشهر الماضي إن هذه الصواريخ تتحرك لمدة تصل إلى 25 دقيقة وتعتمد على التتبع الحراري.
نفوذ إيراني وأجندة خاصة
يرى ليستر أن علاقة الحوثيين بطهران لا تعني غياب حساباتهم المستقلة. فالجماعة تنتمي منذ سنوات إلى ما يُعرف بـ "محور المقاومة"، لكنها ازدادت قوة وصلابة، بينما تراجعت قدرات حلفاء آخرين، بينهم "حزب الله" و"حماس" والميليشيات في العراق.
وتبقى علاقتها بإيران وثيقة، وقد أرسلت وفداً للمشاركة في جنازة المرشد السابق علي خامنئي، إلا أنها تمتلك أجندتها الخاصة أيضاً.
ويعيد التحليل التذكير بأن الحرب مع السعودية بين عامي 2015 و2022 تسببت في معاناة هائلة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، واستمر بعدها الحصار الاقتصادي والقيود على النقل. وفي يوليو/تموز، أعلنت الجماعة عزمها على مهاجمة السفن السعودية في البحر الأحمر، ثم بدأت حملة صاروخية استهدفت أولاً مصفاة تابعة لـ"أرامكو" على ساحل البحر الأحمر وقواعد جوية سعودية.
وأرفقت "سي إن إن" صورة فضائية التُقطت في 3 أكتوبر/تشرين الأول، أظهرت دخاناً يتصاعد من موقع مصفاة لـ"أرامكو" جنوب الرياض، عقب هجمات نُسبت إلى الحوثيين.
وتطالب الجماعة بوقف الغارات السعودية الداعمة للقوات الحكومية اليمنية، إضافة إلى تعويضات بمليارات الدولارات.
وساطة إيرانية ورفض للهدن
يتناول التحليل عرض طهران التوسط بين السعودية والحوثيين، بصرف النظر عن مدى حسن النية وراءه. وأعلن وزير الخارجية عباس عراقجي، الاثنين، استعداد بلاده لتقديم المساعدة اللازمة لتسهيل محادثات بين السعودية واليمن، في إشارة إلى الجماعة.
وفي اليوم نفسه، زعم عضو المكتب السياسي للحوثيين محمد البخيتي أن الرياض قبلت الوساطة، لكن الجماعة رفضت مقترحين لهدنة لمدة أسبوعين وشهر.
وحذّر البخيتي من أن المواجهة الحالية تختلف عن سابقاتها، وأن استمرارها سيزيد اتساعها وخسائرها، وقد يجعل التسوية الممكنة اليوم صعبة أو مستحيلة لاحقاً.
هجمات المطار تزيد الضغوط
بحسب ليستر، حاولت السعودية الحفاظ على صورة الحياة المعتادة مع تصاعد المواجهة، لكن هيئة الدفاع المدني أوقفت الأسبوع الماضي التنبيهات الهاتفية العامة بشأن الصواريخ والمسيّرات، قبل سلسلة الهجمات الدامية على مطار الرياض.
واستؤنفت التنبيهات لاحقاً، وفق سكان تحدثوا إلى "سي إن إن"، فيما أعلنت السلطات اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية، الاثنين.
وقال مقيم أجنبي للشبكة إن أطفاله يتعلمون من المنزل هذا الأسبوع. وأبدى ساكن آخر، السبت، استياءه من غياب التنبيهات خلال الأيام السابقة ومن صمت السلطات بشأن هجمات المطار خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنه أكد عودة الإشعارات بفعالية بحلول الاثنين. وطلبت "سي إن إن" توضيحاً من السلطات بشأن توقفها.
ويقدّر ليستر أن التسوية مع الحوثيين، بعد مقتل أكثر من 12 مدنياً في هجمات المطار، ستكون مرفوضة تماماً. لكنه يحذّر في المقابل من أن تكثيف الغارات الجوية قد يستدعي مزيداً من الضربات الصاروخية، بما يهدد هدف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتحويل المملكة إلى وجهة عالمية للاستثمار والتكنولوجيا والسياحة.
ولا تقتصر المخاطر، وفق التحليل، على النفط، بل تشمل مراكز البيانات ومحطات تحلية المياه والمطارات، المرتبطة بالطموحات التكنولوجية والإمدادات المائية والاقتصاد السياحي.
وفي وقت يستعد فيه ولي العهد لإقامة الحدث الاستثماري الأبرز في الرياض لاحقاً هذا الشهر لعرض فرص المملكة أمام المستثمرين الدوليين، يشير ليستر إلى امتناع شركات كبرى هذا الأسبوع عن حضور مؤتمر البترول العالمي في العاصمة.
حدود الحسم العسكري
يستبعد كاتب التحليل هزيمة الحوثيين بهجوم بري تشارك فيه القوات الحكومية اليمنية، نظراً إلى تحصّنهم وخبرتهم القتالية ومعرفتهم بالتضاريس الجبلية، بعدما ألحقوا خسائر فادحة بالقوات الحكومية خلال الشهر الماضي.
ويستشهد بالتجربة الأمريكية لتوضيح صعوبة الحسم. ففي العام الماضي، أنفقت واشنطن أكثر من مليار دولار على حملة جوية استمرت سبعة أسابيع، انتهت بموافقة الحوثيين على عدم مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر، لكنها لم تُنهِ تمركزهم، وأسقطوا خلالها عدداً من المسيّرات الأمريكية المتطورة.
ويضيف أن الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية لم تقضِ على أعضاء قيادة الجماعة، رغم مقتل قيادات وخبراء تقنيين.
ويواصل الحوثيون، الذين قد يصل عدد مقاتليهم إلى 350 ألفاً، عملياتهم الهجومية. وينقل التحليل عن معهد دراسات الحرب، الاثنين، أنهم حاصروا تعز، ثالث أكبر مدن اليمن ومركزها اللوجستي الحيوي الخاضع لسيطرة الحكومة.
دعم خارجي تحكمه قيود
يشير تحليل "سي إن إن" إلى سعي السعودية لتشكيل تحالف دولي ضد الحوثيين، وإلى عرض حلفاء إقليميين المساعدة بمنظومات دفاعية. وأرسلت باكستان آلاف الجنود للمساهمة في الدفاع عن المملكة، بينما أبدت مصر استعدادها لتقديم أي دعم يُطلب منها.
ويرجّح ليستر إمكانية حصول الرياض على أنظمة دفاع جوي إضافية من أوروبا والولايات المتحدة، بعد استنزاف الشحنات التي وصلت في بداية الصراع مع إيران، لكنه يلفت إلى أن واشنطن تعاني هي الأخرى نقصاً في هذه الأنظمة.
ويستند إلى تقرير للمفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، أفاد بأن الحملة ضد إيران استنزفت المخزونات الاستراتيجية وكشفت اختناقات في القاعدة الصناعية الخاصة بإعادة إمداد الذخائر.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي بعد ثلاثة أسابيع، يرى الكاتب أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدي حذراً من دخول صراع جديد في الشرق الأوسط؛ فلم يلتزم بضربات مباشرة ضد الحوثيين، لكنه لم يستبعدها.
وينقل عن مايكل راتني، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن هذا التردد يعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة تخلت عن شريك في وقت يحتاج فيه بشدة إلى دعمها.
ويختتم ليستر تحليله بالاستناد إلى مقال كتبه راتني، السفير الأمريكي السابق في الرياض، قبل هجمات المطار. فقد اعتبر أن تعرض المملكة للهجوم يفرض عليها الرد سياسياً، لكنه رجّح العودة في النهاية إلى دبلوماسية قد تكون ناقصة وغير مرضية، وتساعد مع ذلك على خفض التصعيد. ويخلص ليستر إلى أن هذا المسار قد يُبقي الحوثيين في مواقعهم ويعزز موقفهم داخل اليمن.