تعكس تحذيرات الخبير القانوني، مخاوف من أن يتحول استمرار العنف في الضفة الغربية من أزمة أمنية وقضائية داخلية إلى عامل ضغط دولي متصاعد على إسرائيل، بما قد يطال علاقاتها الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية.
حذّر خبير إسرائيلي في القانون الدولي من أن استمرار أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون متطرفون في الضفة الغربية ، في ظل ما وصفه بضعف استجابة الحكومة الإسرائيلية، قد يعرّض إسرائيل لمزيد من الضغوط والعقوبات الدولية، ويقوّض مكانتها الدبلوماسية، فضلاً عن إضعاف الدعم الخارجي لمواقفها وسياساتها تجاه السلطة الفلسطينية.
وقال أستاذ القانون الدولي في الجامعة العبرية والباحث الأول في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، يوڨال شاني، في تصريحات لصحيفة "جيروزاليم بوست" الأحد، إن التغاضي عن هذه الاعتداءات يهدد سيادة القانون داخل إسرائيل، وقد يفتح الباب أمام فرض قيود على سفر المستوطنين وتجميد أصولهم، إلى جانب اتخاذ إجراءات اقتصادية ودبلوماسية أوسع ضد إسرائيل.
وجاءت تحذيرات شاني بعد أيام من اعتداء مستوطنين متطرفين على وفد أوروبي ومصور صحفي أمريكي في حادثتين منفصلتين، في وقت أثار فيه تصاعد هذه الاعتداءات قلقاً دولياً متزايداً، رغم توقيف عشرة مشتبه بهم على خلفية الهجوم.
تصاعد الاعتداءات وسط محدودية الملاحقات القضائية
وتشهد الضفة الغربية تصاعداً حاداً في اعتداءات المستوطنين، إذ كشفت بيانات مشتركة للجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام "الشاباك"، صدرت في يناير/كانون الثاني 2026، عن ارتفاع الهجمات بنسبة 27% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق 2024، وهي اعتداءات استهدفت الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية على حد سواء، وفي مؤشر أكثر خطورة، سجّلت الحوادث الكبرى المصنفة كجرائم ذات دوافع قومية قفزة قياسية تجاوزت 50%."
ويتزامن هذا المنحى التصاعدي، مع غياب شبه كامل للمساءلة القضائية، إذ تفيد منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية بأن 93.8% من أصل 1,701 ملف تحقيق في اعتداءات المستوطنين تابعتها المنظمة بين عامي 2005 و2024 أُغلقت دون توجيه أي لوائح اتهام، وفي المقابل اقتصرت الإدانات سواء كانت كاملة أو جزئية على 3% فقط من إجمالي تلك القضايا.
وفي هذا السياق، أوضح شاني في حديثه لـ "جيروزاليم بوست" أنه من الناحية النظرية، يمتلك الفلسطينيون خيارات قانونية، إذ يمكنهم اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بتوفير حماية أمنية مكثفة، ومقاضاة الدولة للحصول على تعويضات جراء تقصيرها في تأمينهم، كما يستطيعون رفع دعاوى مدنية ضد مستوطنين بأعيانهم إذا ثبت إلحاقهم أضراراً بممتلكاتهم.
غير أن شاني استدرك بالإشارة إلى أن الأثر الفعلي لهذه المسارات يظل هامشياً ومحدوداً على أرض الواقع، نظراً لضعف آليات إنفاذ القرارات القضائية، فضلاً عن الافتقار إلى القدرة المالية لتغطية تكاليف المحامين، وغياب الثقة الشعبية في قدرة المنظومة القضائية الإسرائيلية على حماية مصالحهم.
وأضاف أن بعض المحاكم الإسرائيلية تصدر أحكاماً لمصلحة الفلسطينيين، لكن تنفيذها على الأرض يظل بالغ الصعوبة، ما يجعل الأثر العملي للمسارات القانونية محدوداً رغم إمكانية اللجوء إليها.
اعتداءات تعطل تنفيذ قرارات القضاء الإسرائيلي
واستشهد شاني خلال المقابلة بقضية عائلة طوباسي، التي أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية، بصفتها محكمة العدل العليا، الجيش بتأمين منزلها بعد اضطرار أفرادها إلى مغادرته في يوليو/تموز، إثر تعرضهم لمضايقات من مستوطنين متطرفين.
وعندما حاول الجيش تسهيل عودة العائلة إلى منزلها، هاجم أكثر من 100 مستوطن متطرف القوات الإسرائيلية، ما حال دون استكمال المهمة، وقال الجيش آنذاك إن العنف أدى إلى عدم إتمام عملية إعادة العائلة إلى منزلها.
وتعكس هذه الحادثة، بحسب ما أورده شاني، الفجوة بين القرارات القضائية وإمكانية تنفيذها ميدانياً، في ظل اعتداءات قد تعرقل حتى الإجراءات التي تتخذها السلطات الإسرائيلية نفسها.
ضغوط أوروبية متزايدة واحتمالات لتوسيع العقوبات
وحذّر شاني من أن استمرار إسرائيل في الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها قد يدفع دولاً أخرى إلى تكثيف التهديدات بفرض عقوبات عليها، معتبراً أن عنف المستوطنين لا يقتصر تأثيره على الأوضاع الإنسانية، بل يمتد إلى السلم والأمن الدوليين، في ظل مخاطر دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد.
وتوقع أن تتزايد التحركات الأوروبية الرامية إلى فرض إجراءات ضد إسرائيل، مشيراً إلى موقف اتخذته 12 دولة خلال الشهر الماضي.
وعلى الصعيد الدولي، أعلنت المملكة المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، وفي السياق ذاته، أعربت 11 دولة أخرى عن توجهها لفرض قيود محلية، أو دعم تحركات أوروبية أوسع تستهدف مقاطعة المنتجات المصنّعة داخل هذه المستوطنات.
ومن المتوقع أن تُلحق هذه التدابير أضراراً اقتصادية مباشرة بإسرائيل، جراء تقييد وصول صادراتها إلى الأسواق الخارجية، واستهداف الشركات العاملة داخل المستوطنات.
ووفقاً لبيانات منتدى السياسات الإسرائيلي، فإن قيمة صادرات إسرائيل (من السلع والخدمات) إلى الدول الـ 12 المقاطِعة بلغت 15 مليار دولار على الأقل في عام 2024، وفي المقابل، بلغت قيمة السلع القادمة من مستوطنات الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان نحو 45 مليون دولار، من إجمالي الصادرات الإسرائيلية الموجهة إلى المملكة المتحدة خلال عام 2025."
ولم يستبعد شاني اتخاذ خطوات إضافية، من بينها تحركات داخل الأمم المتحدة لفرض عقوبات على إسرائيل وتقييد السلع والخدمات القادمة من الأراضي التي تسيطر عليها، إلى جانب احتمال اللجوء إلى المحاكم الدولية.
عنف المستوطنين يضعف الموقف الإسرائيلي تجاه السلطة الفلسطينية
ويرى شاني أن خطورة هذه الأحداث لا تتوقف عند حدود العقوبات الاقتصادية فحسب، بل قد تضعف الموقف الدبلوماسي لإسرائيل أمام المجتمع الدولي، ويوضح أن هذا التراجع سيحرم تل أبيب من كسب التأييد الدولي في ملفات أخرى، لا سيما في مساعيها للضغط على السلطة الفلسطينية لوقف الرواتب والمدفوعات المالية التي تمنحها للأسرى الفلسطينيين وعائلات منفذي العمليات.
فمع استمرار اعتداءات المستوطنين وغياب القانون، سيفقد العالم حماسه لدعم المطالب الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية.
وفي إطار عقوباتها الموجهة ضد الفلسطينيين، تواصل إسرائيل احتجاز عوائد الجمارك والضرائب المشتركة "المعروفة بأموال المقاصة"، وهي المبالغ التي تجبيها إسرائيل شهرياً نيابة عن السلطة الفلسطينية وتُشكل المورد المالي الأساسي لرواتب موظفيها.
وتتعمد تل أبيب اقتطاع أجزاء من هذه الأموال توازي تماماً ما تخصصه السلطة من رواتب للأسرى وعائلاتهم، إلى جانب اقتطاع مبالغ أخرى مماثلة لتلك التي ترسلها السلطة إلى قطاع غزة.
ولم تقتصر الضغوط عند هذا الحد، بل سنّت إسرائيل قانوناً يتيح لها مصادرة أجزاء من هذه الإيرادات وتحويلها كتعويضات للمتضررين الإسرائيليين من العمليات الفلسطينية.
وتتزامن هذه الإجراءات العقابية مع المضي في مشاريع بناء استيطانية خطيرة في المنطقة المعروفة استراتيجياً باسم (E1) الواقعة شرق القدس، وهي منطقة تحذر القوى الدولية من البناء فيها.
وقال شاني إن تزايد هذه الإجراءات، بالتزامن مع استمرار عنف المستوطنين، قد يعزز قناعة لدى دول أوروبية بأن الهدف الفعلي ليس دفع السلطة الفلسطينية إلى التعامل بجدية أكبر مع الاتهامات المتعلقة بدعم عائلات منفذي الهجمات، بل التسبب في انهيارها المالي وإبعاد فرص التوصل إلى حل الدولتين.
وأضاف أن خطط البناء في منطقة "E1" والاعتداءات المتواصلة يُنظر إليهما باعتبارهما جزءاً من تحرك متزامن يستهدف الفلسطينيين، متوقعاً أن تواجه هذه السياسات مقاومة أوروبية أشد، وربما تدفع بعض الدول إلى البحث عن وسائل بديلة لدعم السيادة الفلسطينية.
تحركات قانونية محتملة لاستهداف المستوطنين في الخارج
وفي سياق متصل، توقع شاني تصاعد جهود منظمات شعبية في الخارج لملاحقة المستوطنين قانونياً، على غرار المبادرات التي تقودها مؤسسة "هند رجب" لتقديم شكاوى ضد جنود إسرائيليين على خلفية جرائم مزعومة في قطاع غزة.
ورأى أن ما وصفه بضعف استجابة الحكومة الإسرائيلية الحالية لاعتداءات المستوطنين سيمنح هذه المبادرات زخماً إضافياً، مرجحاً ظهور محاولات جديدة لاستهداف المستوطنين بصورة مباشرة، من خلال السعي إلى تجميد أصولهم وفرض قيود على تنقلهم.
وتعكس تحذيرات شاني، وفق ما نقلته "جيروزاليم بوست"، مخاوف من أن يتحول استمرار العنف في الضفة الغربية من أزمة أمنية وقضائية داخلية إلى عامل ضغط دولي متصاعد على إسرائيل، بما قد يطال علاقاتها الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية، ويؤثر في قدرتها على حشد الدعم الدولي لسياساتها تجاه الفلسطينيين.