يرى محللون أن التدخل المصري في اليمن أنهك اقتصاد القاهرة وأثر في علاقاتها بالقوى الكبرى واستعداداتها العسكرية قبل حرب يونيو/حزيران 1967 ضد إسرائيل.
لم تكد تمرّ ثلاثة أيام على إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لتقديم الدعم العسكري للسعودية وطلبه من البرلمان منحه تفويضا لهذا الغرض، حتى جاء رد أنصار الله (الحوثيين) الذين يرسلون صواريخهم ومسيّراتهم منذ عدة أسابيع لاستهداف مصالح حيوية في المملكة من مطارات ومنشآت بترولية.
ففي تصريح قُرِئ وكأنه استحضار للتاريخ، حذّرت الجماعةُ القاهرةَ من مغبة التدخل العسكري في اليمن، معتبرةً أن خطوة كهذه قد تقود مصر إلى "كارثة ثانية".
وكان السيسي قد اعتبر، السبت، أن أمن السعودية ودول الخليج "جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري"، قبل أن يوافق مجلس الدفاع الوطني على تقديم الدعم العسكري والدفاعي للمملكة.
وطلب الرئيس المصري لاحقًا تفويضًا من البرلمان، وفقًا للمادة 152 من الدستور، التي تشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي النواب قبل إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج البلاد.
ولم تتضح بعد طبيعة القوات أو المعدات التي قد تشارك بها القاهرة، ولا حجم الانتشار المحتمل لجنودها.
لكن البرلمان أرجأ التصويت يومي الأحد والاثنين، وسط نقاش بشأن طبيعة المشاركة وحدودها، وحدد 26 تشرين الأول/أكتوبر موعدًا للبت في المسألة.
وفي أحدث تطورات الملف، أكدت الرئاسة المصرية، الأربعاء، أن أي تحرك عسكري سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها، ولن يشمل شن هجمات على اليمن، وذلك بعد تحذير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن دخول أطراف جديدة إلى الصراع سيجعل تسويته "أكثر صعوبة".
تحذير الحوثيين للسيسي من مغبة التدخل العسكري في اليمن واستعمالهم عبارة "كارثة ثانية"، أعاد إلى الأذهان تجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع هذا البلد خلال ستينيات القرن الماضي، حين انخرط الجيش المصري في حرب استمرت نحو خمس سنوات.
لكن كيف بدأت تجربة مصر عبد الناصر في اليمن؟ وما نتائجها؟ ولماذا لا تزال تثير الجدل بعد أكثر من ستة عقود؟ وهل يمكن أن تتكرر اليوم؟
لماذا أرسل عبد الناصر قواته إلى اليمن؟
أطلق بعض المؤرخين والمعلقين على حرب اليمن وصف "فيتنام مصر"، في إشارة إلى طول أمد المواجهات وصعوبة حسمها عسكريًا، فضلًا عن تكلفتها البشرية والمادية.
بدأت الأحداث في 26 سبتمبر/أيلول 1962، حين أطاح ضباط يمنيون بالحكم الإمامي الزيدي الذي امتد لعدة قرون وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية، بعد أيام من وفاة الإمام أحمد حميد الدين وتولي ابنه محمد البدر السلطة.
وكان قادة الانقلاب على حكم الأئمة في اليمن متأثرين بأفكار ثورة 23 يوليو/تموز 1952 في مصر، وبالمشروع القومي الذي تبناه عبد الناصر، فسارعت القاهرة إلى دعم الجمهوريين عسكريًا في مواجهة القوات الملكية الموالية للإمام المخلوع محمد البدر، والتي تلقت دعمًا من السعودية والأردن.
ويرى كثيرون أن التدخل المصري جاء أيضًا في سياق التنافس الإقليمي على النفوذ. فبعد انهيار الوحدة المصرية السورية عام 1961، سعى عبد الناصر إلى استعادة زخم مشروعه القومي، ورأى في الثورة اليمنية فرصة لتعزيز حضور القاهرة في شبه الجزيرة العربية، بعد سنوات من التوتر مع الحكم الإمامي الديني.
وفي كتابه "مقامرة ناصر" (Nasser's Gamble)، يضع المؤرخ جيسي فيريس القرار المصري في سياق صراع أوسع على السلطة والشرعية بين الأنظمة الجمهورية والملكية في المنطقة العربية.
أما الحوثيون، الذين يخوضون اليوم مواجهة مع السعودية، فتعود جذورهم الدينية والتاريخية إلى البيئة الزيدية نفسها التي انحدر منها أئمة اليمن قبل ثورة 1962. غير أن الحركة نشأت بصورتها الحديثة في تسعينيات القرن الماضي، ولا تُعد امتدادًا تنظيميًا مباشرًا للقوات التي قاتلت الجيش المصري، وإن كانت تستند إلى بعض جوانب الإرث الديني والسياسي للإمامة.
كيف تحولت الحرب إلى استنزاف للجيش المصري؟
واجه الجيش المصري تحديات كبيرة بسبب التضاريس الجبلية الوعرة في اليمن وطبيعة القتال غير النظامي، فضلًا عن الدعم الخارجي للملكيين وتعدد القوى القبلية والمحلية.
ومع استمرار التعزيزات، بلغ عدد الجنود المصريين في اليمن نحو 70 إلى 75 ألفًا في ذروة التدخل العسكري، وفق تقديرات تاريخية مختلفة.
وتكبدت القاهرة خسائر بشرية ومادية كبيرة. ويرى فيريس أن الحرب استنزفت موارد مصر وأشغلت جزءًا كبيرًا من قواتها بعيدًا عن جبهة المواجهة مع إسرائيل، ما أثّر في استعداداتها العسكرية قبل حرب يونيو/حزيران 1967 ضد إسرائيل، المعروفة بالنكسة.
وعقب حرب يونيو، اتجهت مصر إلى سحب قواتها، وجرى التوصل خلال قمة الخرطوم عام 1967 إلى تفاهمات بشأن الانسحاب، فيما استمرت الحرب الأهلية اليمنية حتى عام 1970.
حرب اليمن.. مكاسب استراتيجية أم مغامرة مكلفة؟
طوال هذه السنوات، ظلت التجربة حاضرة في النقاش السياسي والعسكري، وسط اختلاف بشأن ما إذا كانت نتائجها تبرر تكلفتها.
وعادت المخاوف من تكرار التجربة عام 2015، عندما انضمت القاهرة إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وأرسلت قطعًا بحرية إلى المنطقة، وسط حديث عن احتمال مشاركة قوات برية مصرية.
وكان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، المقرّب من عبد الناصر، من أبرز المحذّرين عام 2015 من الانخراط في حرب جديدة، إذ دعا إلى عدم التسرّع، واصفًا اليمن بأنه "بركان خامد" قد تمتد تداعيات انفجاره إلى المنطقة بأكملها.
وفي حين انصب تحذير هيكل على مخاطر تكرار التجربة، كان رئيس أركان الجيش المصري الأسبق، الفريق سعد الدين الشاذلي، قد دافع في وقت سابق عن نتائج التدخل في الستينيات، معتبرًا أنه حقق مكاسب سياسية واستراتيجية مهمة.
ففي مقابلة سابقة ضمن برنامج "شاهد على العصر"، رأى الشاذلي أن الوجود العسكري المصري ساهم في ترسيخ النظام الجمهوري في شمال اليمن، ودعم حركات التحرر المناهضة للاستعمار البريطاني في الجنوب.
وأوضح أن القاهرة سهّلت وصول الأسلحة والذخائر إلى المقاتلين هناك، ما ساهم، بحسب تقديره، في تسريع انسحاب بريطانيا من عدن عام 1967، فضلًا عن التأثير في التحولات السياسية التي شهدتها منطقة الخليج لاحقًا.
كما خالف الشاذلي التقديرات المرتفعة للخسائر البشرية، قائلًا إن عدد القتلى المصريين تراوح بين ألف وثلاثة آلاف جندي، مقابل تقديرات تاريخية أخرى تتحدث عن أكثر من عشرة آلاف.
ونفى أن تكون الحرب قد استنزفت احتياطي الذهب المصري، موضحًا أن النفقات الإضافية اقتصرت أساسًا على النقل والمكافآت الميدانية، وأن عبد الناصر خصص ميزانية احتياطية بلغت 40 مليون جنيه لتغطيتها.
وبناءً على ذلك، اعتبر الشاذلي أن المكاسب التي تحققت بررت تكلفة التدخل.
وفي الرابع من أبريل/نيسان 2015، رد السيسي على المخاوف من تكرار تجربة الستينيات، مؤكدًا أن دور بلاده في التحالف الذي تقوده السعودية لا يمكن مقارنته بقرار عبد الناصر، ومشددًا على حرصه على أرواح الجنود المصريين.
ولفت المؤرخ خالد فهمي، أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إلى اختلاف المناخ السياسي بين المرحلتين، مشيرًا إلى أن قرار التدخل عام 1962 لم يرافقه نقاش عام مماثل لما شهدته مصر عام 2015.
كما تبدلت التحالفات الإقليمية، إذ أصبحت السعودية، التي ساندت خصوم الجيش المصري في الستينيات، شريكًا للقاهرة في مواجهة الحوثيين.
هل تتكرر تجربة الستينيات؟
تختلف الظروف الحالية عن تلك التي دفعت عبد الناصر إلى إرسال قواته إلى اليمن، إذ بات الصراع مرتبطًا بمصالح أمنية واقتصادية أوسع، خصوصًا مع تهديد المنشآت الحيوية والملاحة في البحر الأحمر عبر بوابة باب المندب.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عماد عنان أن التحركات السعودية والأميركية تجاه القاهرة تعكس أهمية الدور المصري المحتمل، في ظل سعي الرياض إلى حماية أراضيها ومنشآتها، وحرص واشنطن على تأمين الملاحة وإمدادات الطاقة من دون الانخراط في حرب مفتوحة.
وتبرز مصر في هذه المعادلة بوصفها شريكًا للبلديْن، فضلًا عن ارتباط مصالحها الاقتصادية بحركة التجارة عبر قناة السويس.
لكن المشاركة العسكرية المباشرة تنطوي على مخاطر كبيرة، بحسب عنان، الذي يشير إلى صعوبة السيطرة الميدانية في اليمن، وقدرة الحوثيين على خوض حروب غير نظامية واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب علاقتهم الوثيقة بإيران والدعم الذي يتلقونه منها.
وفي ضوء هذه التحديات، يرجّح عنان أن تفضّل القاهرة التعاون الاستخباراتي والتنسيق الأمني والتحركات الدبلوماسية، بدلًا من الانخراط في عمليات قتالية داخل اليمن، مع احتمال إعادة تقييم موقفها إذا تصاعدت التهديدات لمصالحها. وبذلك، يبقى الفارق الأساسي بين التجربتين مرتبطًا بطبيعة المهمة العسكرية وحدودها، لا بمجرد قرار تقديم الدعم للسعودية.