جال الرئيس اللبناني جوزاف عون في مدينة طرابلس، مؤكداً دعم تطوير مرفئها وتعزيز دوره الاقتصادي، والتزام الدولة تأمين الإنماء والخدمات والأمن والعدالة لأبنائها.
شدّد الرئيس اللبناني جوزاف عون، خلال جولة في مدينة طرابلس شملت مرافق إدارية وأمنية وقضائية واقتصادية، على التزام الدولة الوقوف إلى جانب المدينة ووضع حدّ للإهمال الذي عانت منه، مؤكداً أن استعادة ثقة المواطنين تمرّ بتأمين الخدمات والأمن والعدالة وفرص العمل. وبرز في الجولة ملف تطوير مرفأ طرابلس، الذي دعا عون إلى تحويله مركزاً حيوياً واقتصادياً للمنطقة ولبنان، وترجمة انضمامه مع مرفأ بيروت إلى مشروع الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "IMEC" بخطوات عملية متتابعة.
مرفأ طرابلس أمام فرصة لتعزيز دوره الاقتصادي
وخلال زيارته مرفأ طرابلس للاطّلاع على أوضاعه ولقاء المسؤولين عنه، هنّأ عون مجدّداً بانضمام مرفأَي طرابلس وبيروت إلى مشروع الممرّ الاقتصادي، قائلاً إن "انضمام مرفأين، لا مرفأ واحد، إنجاز يتطلّب خطوات متتابعة لترجمته على أرض الواقع".
وأكد أن الفرصة متاحة اليوم ليكون مرفأ طرابلس من أهمّ المرافئ، مشدّداً على واجب الدولة في دعم القائمين عليه ومساعدتهم، بهدف تطويره ليصبح مركزاً حيوياً واقتصادياً يخدم المنطقة ولبنان ككلّ.
وفي سياق متصل بالملف الاقتصادي، اطّلع عون خلال جولته على واقع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، من رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمنطقة، حسان ضناوي، الذي عرض الإجراءات المعتمدة لتفعيل الهيئة.
من السراي: آن الأوان لوضع حدّ للإهمال
وكان عون قد استهلّ جولته من سراي طرابلس، حيث التقى المسؤولين والمعنيين، مؤكداً أن زيارته تحمل رسالة إلى أبناء المدينة بأن "الدولة موجودة وإلى جانبكم دائماً".
وربط استعادة الثقة بالدولة بتأمين الخدمات للمواطنين وإتاحتها للجميع، معتبراً أن كرامة الإنسان تقتضي أن تقوم الدولة بهذا الواجب. كما شدّد على أن "لا إنماء من دون أمن"، مشيراً إلى دور الأجهزة الأمنية في حماية المواطن، وإلى أن خدمته واجب على المسؤولين.
وقال إن طرابلس عانت كثيراً من الإهمال، وإن الوقت حان لوضع حدّ له، لافتاً إلى وجود مشاريع تهدف إلى خلق فرص عمل لأبناء المنطقة. وأضاف أن الإرادة الصلبة كفيلة بتذليل العوائق والصعوبات، وأن الأساس هو وضع مصلحة المواطن فوق كلّ اعتبار.
دعوة الأجهزة الأمنية إلى رفض الضغوط
وخلال تفقّده مركز أمن الدولة في السراي، أكد عون أن الأمن واجب ومسؤولية، مثنياً على جهود العناصر رغم محدودية الإمكانات. وخاطبهم قائلاً: "لا تتهاونوا ولا تخضعوا للضغوط، وأدّوا واجباتكم بضمير، وكونوا على قدر المسؤولية".
وفي المديرية العامة للأمن العام في السراي، شكر العاملين على جهودهم في تأمين الخدمات للمواطنين، مؤكداً وقوفه إلى جانبهم وداعياً إياهم إلى مواصلة عملهم. وأعرب عن اعتزازه بالتطوّر الذي يحققونه، قائلاً إن "خدمة المواطن مقدّسة"، وإن حجم الجهود المبذولة في سبيله واضح.
القضاء والأمن متلازمان
ومن السراي، انتقل الرئيس اللبناني إلى قصر العدل في طرابلس، حيث التقى المعنيين بالشأن القضائي، وشدّد على أن القضاء والأمن متلازمان ويكمّل أحدهما الآخر، وأن "العدالة المتأخّرة ليست عدالة".
وأكد حقّ المواطن في العدالة وفي قضاء شفاف ومستقل، معتبراً أن الاستقلالية تنطلق من القاضي نفسه ومن قراراته. كما شدّد على أن محاربة الفساد أولوية، وأن الحكومة الرقمية والقضاء العادل يسهمان في مكافحته وتعزيز عمل المؤسسات الدستورية.
وقال عون إن على القاضي "ألّا يُدين بريئاً وألّا يُبرّئ مجرماً"، مشيراً إلى تحقيق إنجازات قضائية كبيرة هذا العام. وأكد دعم القضاة، داعياً إياهم إلى عدم السماح لأحد بالتأثير عليهم، وأداء واجباتهم وفق ما يمليه عليهم ضميرهم.
"الإنماء حقّ وليس منّة"
وشملت الجولة معرض رشيد كرامي الدولي، حيث التقى عون أعضاء مجلس إدارته وأثنى على عملهم، مؤكداً أن الأولوية هي تأمين فرص عمل لأبناء المنطقة، وأن القدرة تتجلّى في إنجاز أمر مهمّ انطلاقاً من إمكانات محدودة.
وفي مواقفه من المعرض، أكد أن طرابلس، بما تمتلكه من طاقات وكفاءات، قادرة على أن تكون شريكاً أساسياً في نهضة لبنان، إذا توافرت لها الرؤية والإدارة والاستثمارات اللازمة. وشدّد على أنها "ليست مدينة على هامش الوطن"، بل مدينة أساسية في تاريخ لبنان وحاضره ومستقبله، وأبناؤها شركاء كاملون في بناء الدولة وصناعة القرار الوطني.
وتوجّه إلى أهالي طرابلس والشمال قائلاً إن "الإنماء ليس منّة من الدولة، بل هو حق للمواطنين"، وإنه لا يجوز لأي لبناني أن يشعر بأنه متروك. وأوضح أن الدولة المنشودة هي التي تصل إلى جميع أبنائها، وتوفّر لهم فرص العمل والتعليم والاستشفاء والحماية الاجتماعية، وتضمن أمنهم وعدالتهم وكرامتهم.
وأعرب عن أمله في أن تشكّل الزيارة محطة لتعزيز الثقة بين الدولة وأهالي المدينة، مؤكداً أن طرابلس قادرة على تقديم نموذج في التلاقي والتعاون والتطلّع إلى المستقبل.
"إضعاف الدولة لا يمنح القوة لأي مكوّن"
وفي الشأن الوطني، قال عون إن لبنان مرّ بسنوات صعبة دفع اللبنانيون خلالها أثماناً باهظة من أمنهم واقتصادهم، وإن التجارب أثبتت أن الانقسام لا يحمي أحداً. وشدّد على أن "إضعاف الدولة لا يمنح القوة لأي مكوّن"، وأن السقف هو الدستور والقانون والمؤسسات.
ودعا إلى التعلّم من تجارب الماضي، ووضع مصلحة لبنان فوق الحسابات الضيقة، والعمل على تحصين الوحدة الوطنية، مؤكداً أن مسؤوليته كرئيس للجمهورية تقتضي الوقوف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين والعمل من أجل لبنان يتّسع للجميع.
وتطرّق إلى ما تعرّضت له طرابلس على مدى عقود، قائلاً إن المدينة العريقة ظلمها "إهمال الدولة، للأسف، وعبث العصابات المقنّعة بالسياسة، حتى استُبيحت وصارت صندوق بريد أسود لتبادل الرسائل المسمومة". وأضاف: "أنا اليوم في طرابلس لأضع في صندوق بريد طرابلس رسالة تقول إن هذه المدينة هي التاريخ والعلم وقلب الشمال، كل الشمال".
وأكد أن لبنان لا ينهض بفريق أو طائفة وحدهما، بل بالتقاء أبنائه على مشروع الدولة، داعياً إلى العمل معاً من أجل دولة قوية وعادلة ومجتمع منتج. كما أشاد بتضحيات الجيش والأجهزة الأمنية، واصفاً عناصرها بأنهم أبناء المواطنين الذين يضحّون من أجلهم في أصعب الظروف، ومؤكداً لطرابلس وأهلها "كل المحبة وكل الالتزام للعمل من أجل مستقبل أفضل لها".