قضت محكمة مصرية، الثلاثاء، بإغلاق موقع "مدى مصر"، أحد أبرز المنابر الإعلامية المستقلة في البلاد، وتغريم رئيسة تحريره لينا عطالله ثلاثة ملايين جنيه مصري، مع احتجازها لحين سداد المبلغ، في خطوة أثارت موجة من الانتقادات الحقوقية.
أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة الحكم، الذي تضمن أيضاً مصادرة معدات الموقع، بعد إدانة عطالله بتهمة إنشاء وإدارة موقع إلكتروني من دون ترخيص. وتبلغ قيمة الغرامة نحو 54 ألف دولار أمريكي، وهي الحد الأقصى للعقوبة المالية المنصوص عليها قانوناً بتهمة إدارة موقع إلكتروني من دون ترخيص.
وجاء الحكم في أولى جلسات محاكمة عطالله، بعدما أحالتها نيابة أمن الدولة العليا إلى القضاء الأسبوع الماضي، إثر التحقيق معها في اتهامات تتعلق بإدارة موقع غير مرخص ونشر أخبار كاذبة. ورغم استدعائها وصحافيين آخرين من المؤسسة للتحقيق ست مرات خلال السنوات الست الماضية، فإن هذه المرة الأولى التي تُحال فيها إلى المحاكمة.
وأثار مسار الجلسة جدلاً واسعاً، بعدما رفضت المحكمة، بحسب محامي عطالله ومنظمات حقوقية، طلبات الدفاع بتأجيل المحاكمة للاطلاع على أوراق القضية، وتقديم مستندات واستدعاء شهود. كما منعت عدداً من الصحافيين وممثلي بعثات دبلوماسية أوروبية من حضور الجلسة.
جلسة مثيرة للجدل
بحسب حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي تشارك في الدفاع عن عطالله، رفضت المحكمة جميع طلبات فريق الدفاع، ما دفع المحامين إلى الامتناع عن تقديم مرافعاتهم احتجاجاً على القرار. وعلى إثر ذلك، عيّن القاضي محامياً آخر للدفاع عن عطالله، رغم اعتراضها على تعيينه.
وأوضح بهجت أن رئيس المحكمة رفض تسجيل اعتراض عطالله في محضر الجلسة، ثم شرع في تدوين طلبات المحامي المنتدب قبل أن يتحدث، وسط احتجاجات فريق الدفاع. وعقب صدور الحكم، أحاط عناصر الأمن برئيسة التحرير وحملوها خارج القاعة.
وقال محامي الموقع حسن الأزهري إن الدفاع يعتزم استئناف الحكم بعد سداد الغرامة، فيما وافقت المحكمة على قبول نصف المبلغ فوراً وتقسيط الباقي.
من جهته، وصف مسؤول في "مدى مصر"، فضّل عدم الكشف عن هويته، الحكم بأنه "تعنّت وتصعيد كبير جداً ضد إحدى المنصات المستقلة القليلة المتبقية"، مؤكداً لوكالة "فرانس برس" أن المؤسسة ستسدد الغرامة وتتقدم بطلب جديد للترخيص وتواصل عملها.
سنوات من الضغوط
تأسس "مدى مصر" عام 2013، وأصبح من أبرز المواقع الإخبارية المستقلة في البلاد، بفضل تغطيته ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية حساسة، في مشهد إعلامي تهيمن عليه مؤسسات مملوكة للدولة أو مقربة منها.
ويواجه الموقع ضغوطاً منذ سنوات، إذ حُجب داخل مصر عام 2017، قبل أن تداهم قوات الأمن مقره عام 2019 وتحتجز عدداً من العاملين فيه لساعات. كما خضعت عطالله وصحافيون آخرون لتحقيقات متكررة على خلفية عملهم الصحافي.
وتتمحور القضية الحالية حول ترخيص الموقع، الذي يؤكد أنه تقدم بطلبات للحصول عليه منذ عام 2018، من دون تلقي ردود رسمية في البداية. وفي عام 2022، علمت المؤسسة برفض أحد طلباتها، فطعنت في القرار أمام القضاء، قبل أن تتقدم بطلبات لاحقة لم تتلقَّ رداً عليها، وفق روايتها.
وخلال المحاكمة، أكدت عطالله أنها تقدمت بطلب للترخيص من دون أن تتلقى جواباً، بينما طالب دفاعها بالاطلاع على المستندات الأصلية المتعلقة برفض الطلب، والاستماع إلى مسؤولين في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكن المحكمة رفضت تلك الطلبات.
وفي المقابل، تؤكد السلطات المصرية التزامها بحرية التعبير، مع التشديد على ضرورة امتثال المؤسسات الإعلامية للقانون واحترام الأمن القومي ومكافحة المعلومات المضللة. ولم يصدر تعليق فوري من الجهات الرسمية على الحكم.
مخاوف وإدانات حقوقية
أثار القرار ردود فعل غاضبة من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة، إذ اعتبرته منظمة العفو الدولية "ضربة ساحقة لحرية الصحافة" في مصر، مطالبة بإلغائه والإفراج عن عطالله ووقف الملاحقات بحق الصحافيين.
وقالت ياسمين أحمد، المديرة في المنظمة، إن الحكم يأتي تتويجاً لسنوات من المضايقات والإجراءات القضائية بحق المؤسسة، منتقدة سرعة إحالة القضية إلى المحاكمة وحرمان الدفاع من الوقت الكافي للتحضير، فضلاً عن رفض تقديم الأدلة واستدعاء الشهود. وشددت على أن إغلاق مؤسسة إعلامية بسبب غياب الترخيص إجراء غير متناسب مع المخالفة المنسوبة إليها.
بدورها، دعت لجنة حماية الصحافيين إلى الإفراج الفوري عن عطالله والسماح للموقع بمواصلة نشاطه. وحذّرت مديرتها الإقليمية سارة القضاة من أن الحكم يبعث برسالة تهديد إلى الصحافيين المستقلين، فيما وصفت منظمة "مراسلون بلا حدود" القرار بأنه "صادم" وطالبت بإلغائه.
وكانت 119 منظمة حقوقية ومؤسسة إعلامية، بينها "هيومن رايتس ووتش" والعفو الدولية ولجنة حماية الصحافيين، قد حذّرت قبيل المحاكمة من أن القضية تشكل "هجوماً غير مسبوق على حرية الصحافة". كما انتقد السيناتور الأمريكي كريس فان هولن الاتهامات الموجهة إلى عطالله، مؤكداً أن "الصحافة ليست جريمة".
ويأتي الحكم بعد أسابيع من توقيف ستة صحافيين، يشكلون فريق منصة "متصدقش" المتخصصة في تدقيق المعلومات، على خلفية اتهامات تشمل نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة مصنفة "إرهابية". وأفاد الموقوفون بتعرضهم للتعذيب خلال احتجازهم، وهو ما نفته وزارة الداخلية المصرية.
وتشير لجنة حماية الصحافيين إلى أن عدد الصحافيين المحتجزين في مصر بلغ 25 شخصاً حتى أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2021، فيما لا تزال مئات المواقع الإخبارية والحقوقية محجوبة داخل البلاد.