ابحثوا عنا
اعلان

من زنوبيا إلى الموناليزا..هل تعيد مناهج سوريا رسم صورة المرأة والتاريخ وفق اعتبارات أيديولوجية؟

معلمة تقدّم درساً للطلاب داخل أحد فصول مدرسة "معر شمارين" الابتدائية في قرية معر شمارين، بريف إدلب في سوريا
معلمة تقدّم درساً للطلاب داخل أحد فصول مدرسة "معر شمارين" الابتدائية في قرية معر شمارين، بريف إدلب في سوريا -  حقوق النشر  AP Photo
حقوق النشر AP Photo
بقلم: Ali Hasan & يورونيوز
نشرت في
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل
شارك Close Button

من بين التغييرات التي أثارت ردود فعل واسعة، تعديل صورة أليسار، الأميرة الفينيقية المرتبطة بتأسيس قرطاج، عبر إضافة الحجاب إلى رسمها في النسخة المعدلة من الكتاب المدرسي، وفق المقارنات المتداولة بين الطبعات.

فتحت التعديلات على المناهج التعليمية في سوريا باباً لجدل ثقافي وأيديولوجي واسع، بعدما امتدت من حذف شخصيات أثارت جدلاً بشأن توثيقها التاريخي، إلى تغييرات بصرية شملت صور نساء وأطفال وأعمالاً فنية عالمية، وبينما تستند بعض هذه الإجراءات إلى مبررات تتعلق بالدقة التاريخية أو بملاءمة المحتوى للمادة الدراسية، يرى منتقدون أنها تثير تساؤلات تتجاوز الجانب الأكاديمي، لتطال تمثيل المرأة في المناهج وحدود التعددية الثقافية التي ينبغي أن تعكسها.

اعلان
اعلان

تتجاوز دلالات هذه التعديلات مسألة حذف أسماء أو تغيير صور، لتطرح تساؤلات أعمق بشأن حضور الإرث الحضاري السوري في المناهج الدراسية، ومكانة المرأة في السردية التاريخية لمنطقة الشرق الأوسط.

ففي أرض تعاقبت عليها حضارات تمتد جذورها إلى آلاف السنين، أدت المرأة أدواراً دينية وسياسية وفكرية وثقافية لا يمكن فصلها عن تاريخ المنطقة وتطور مجتمعاتها، بدءاً من إلهة الحب والجمال عند حضارات بلاد الرافدين القديمة عشتار "عشتروت"، وصولاً إلى شخصيات تاريخية مثل زنوبيا، ملكة تدمر، وجوليا دومنا، الإمبراطورة الرومانية ذات الأصول السورية.

تعديلات 2025.. زنوبيا وخولة بنت الأزور في قلب الجدل

بعد أشهرمن سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وتولّي وقتها ماكان يعرف بإدارة العمليات العسكرية شؤون البلاد، أصدرت وزارة التربية والتعليم تعميماً يتضمن تعديلات على المناهج الدراسية، شملت مراحل التعليم من الصف الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي.

وتضمنت التغييرات حذف مادة التربية الوطنية، وإزالة عبارات وصور ودروس مرتبطة بالنظام السابق، إلى جانب تعديلات طالت مادة التربية الإسلامية، لكن بعض الإجراءات أثارت نقاشاً تجاوز مسألة حذف المحتوى المرتبط بالسلطة السابقة، ولا سيما ما تعلق بحضور شخصيات نسائية في الكتب المدرسية.

وكانت زنوبيا، ملكة تدمر، وخولة بنت الأزور، الشخصية المرتبطة بالروايات الإسلامية عن الفتوحات، من أبرز الأسماء التي تصدرت الجدل خلال عام 2025، بعدما أُثيرت مسألة استبعادهما من بعض المواد التعليمية، وسط تباين في المبررات المتعلقة بكل منهما.

وفي ذلك الوقت، دافع وزير التربية والتعليم آنذاك، نذير القادري، عن التعديلات، موضحاً أن حذف زنوبيا اقتصر على كتاب التربية الإسلامية، وأنه لا يعارض حضورها في كتب التاريخ، باعتبارها جزءاً من تاريخ سوريا، واستند في تبريره إلى أن حياتها سبقت ظهور الإسلام بقرون، معتبراً أن مكانها الطبيعي هو المنهج التاريخي العام، وليس المناهج العقائدية.

لكن هذا التفسير لم ينهِ الجدل، فقد رأى منتقدون أن القضية لا تتعلق بمجرد نقل شخصية من مادة إلى أخرى، بل بالسياق الأوسع الذي تُختار فيه الشخصيات النسائية وتُقدَّم من خلاله للأجيال الجديدة، خصوصاً في ظل تعديلات أخرى مسّت صور النساء وملابسهن في الكتب المدرسية.

وفي حديثها إلى "يورونيوز"، رأت "نور" وهي ناشطة سورية رفضت الكشف عن هويتها لدواع أمنية أن الاستناد إلى انتماء زنوبيا إلى مرحلة سبقت ظهور الإسلام لتبرير حذفها من كتاب معين ونقلها إلى أخر يثير تساؤلات، خصوصاً عند مقارنته بتعديلات بصرية أُدخلت لاحقاً على صور شخصيات نسائية من عصور أقدم، عبر إضافة الحجاب إلى رسوماتهن عبر تقنية الفوتوشوب.

وتعتبر "نور" أن المسألة لا تتوقف عند تحديد المادة الدراسية المناسبة لتناول شخصية تاريخية، بل تتصل أيضاً بنوعية النماذج النسائية التي تحافظ المناهج على حضورها، وترى أن استبعاد شخصيات عُرفت بممارسة السلطة والاستقلال السياسي، بالتزامن مع فرض تغييرات على المظهر البصري لنساء من عصور مختلفة، قد يعكس رغبة في تقديم صورة أكثر نمطية عن المرأة، تتوافق مع رؤية أيديولوجية محافظة.

مكانة زنوبيا

تتجاوز أهمية زنوبيا حدود سيرتها السياسية والعسكرية، فهي إحدى الشخصيات النسائية التي ارتبطت بقدرة المرأة على ممارسة السلطة وقيادة مشروع سياسي في عالم قديم هيمنت عليه الإمبراطوريات والقوى العسكرية، ولذلك، فإن حضورها في المناهج لا يتعلق بمجرد إدراج اسم تاريخي، بل بإتاحة نموذج من تاريخ المنطقة يساعد الطلاب على فهم تعقيدات ماضيها وتنوع الشخصيات التي أسهمت في صنعه.

خولة بنت الأزور.. بين الرواية الشعبية والتوثيق التاريخي

لم تتوقف تعديلات المناهج التي أُثير حولها الجدل عام 2025 عند زنوبيا، بل امتدت إلى الفارسة خولة بنت الأزور، التي رسخت الروايات الشعبية صورتها بوصفها إحدى أبرز الشخصيات النسائية المرتبطة بالبطولة والشجاعة في التاريخ الإسلامي، وقد أثار استبعاد اسمها من الكتب المدرسية نقاشاً بشأن مدى ثبوت سيرتها، وما إذا كان الجدل حول مصادرها التاريخية يبرر حذفها بدلاً من تقديمها للطلاب في سياق يوضح طبيعة الروايات المنقولة عنها.

وتروي الروايات الشعبية أن خولة كانت شقيقة الفارس ضرار بن الأزور، وتنسب إليها المشاركة في معارك الفتوحات الإسلامية خلال القرن السابع الميلادي، ومن أشهر القصص المرتبطة بها روايات عن ارتدائها زي فارس ملثّم وخوضها القتال لإنقاذ شقيقها بعد أسره، فضلاً عن حكايات تتحدث عن دور بارز لها في مشاركة نساء لمواجهة الأسر، وقد أسهم تداول هذه الروايات في ترسيخ صورتها في الوجدان الشعبي نموذجاً للمرأة الشجاعة التي شاركت في الأحداث العسكرية.

هذه الصورة تستند بدرجة كبيرة إلى روايات وردت في كتاب "فتوح الشام" المنسوب إلى الواقدي، لكن العديد من الباحثين يشككون في أن يكون الواقدي هو الكاتب الحقيقي، ويرون أن الكتاب صيغ في زمن متأخر على شكل قصة ملحمية (أقرب إلى الأساطير) بدلاً من التوثيق التاريخي الصارم، بالإضافة إلى ذلك، فإن تفاصيل حياة "خولة" لا توجد لها أدلة قوية في كتب التاريخ الإسلامي الأولى والمبكرة، مما يجعل قصتها موضوعاً للشك والنقاش بين المؤرخين.

ومع ذلك، فإن عدم ثبوت تفاصيل الروايات المتداولة لا يكفي وحده للجزم بأن الشخصية لم تكن موجودة، حيث ينبغي التمييز بين احتمال وجود الشخصية تاريخياً وبين صحة القصص التي نُسبت إليها لاحقاً، ومن هنا، لا يقتصر السؤال على مدى دقة الروايات التي تتناول بطولاتها، بل يشمل أيضاً الطريقة التي يمكن من خلالها التعامل تربوياً مع الشخصيات المختلف عليها.

فبدلاً من الاكتفاء بحذفها، يمكن تقديم خولة ضمن سياق تاريخي يوضح طبيعة المصادر التي تناولتها، ويفصل بين الوقائع المثبتة والروايات الشعبية، وبهذا يتعرف الطلاب إلى حدود التوثيق التاريخي، وإلى الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة الجمعية، من دون تقديم الروايات المختلف عليها باعتبارها حقائق مؤكدة أو استبعادها من دون تفسير.

وفي حديثها إلى "يورونيوز"، رأت "روز"، وهي مدرّسة لمادة التاريخ، أن أهمية خولة في الذاكرة الجمعية لا تتوقف على حسم الجدل بشأن جميع تفاصيل سيرتها، بل ترتبط أيضاً بما تمثله من صورة للمرأة العربية والمسلمة المشاركة في الأحداث التاريخية، واعتبرت أن تقديم شخصيات كهذه ضمن سياق نقدي واضح يتيح للطلاب فهم حدود التوثيق التاريخي، من دون إغفال الدور الذي لعبته الروايات الشعبية في تشكيل الذاكرة الثقافية.

وترى "روز" أن وجود مثل هذه الشخصيات في المناهج، مع توضيح الخلاف بشأن مصادرها، يتيح التعامل مع التاريخ بصورة أكثر انفتاحاً، ويدحض التصورات التي تختزل دور المرأة في التاريخ العربي والإسلامي في أدوار هامشية أو بعيدة عن الأحداث الكبرى، فسواء كانت خولة قد عاشت الوقائع المنسوبة إليها بالتفاصيل المتداولة، أم أن بعض تلك التفاصيل تشكل في إطار الرواية الشعبية، فإن دراسة سيرتها تتيح فرصة لفهم مكانة المرأة في الذاكرة التاريخية وكيفية تشكلها.

من حذف الموناليزا إلى تغيير صور النساء

بعد نحو عام من الجدل الذي رافق استبعاد زنوبيا وخولة بنت الأزور من بعض المواد التعليمية، عادت التعديلات على المناهج السورية إلى الواجهة مع تغييرات رُصدت قبل أيام في الكتب المعدلة للعام الدراسي 2026–2027.

هذه المرة، لم يقتصر الأمر على شخصيات يحيط الجدل بتوثيق سيرتها، بل امتد إلى صور وأعمال فنية معروفة، من بينها لوحة "الموناليزا" الشهيرة للفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي، التي أُشير إلى اختفائها من كتاب التاريخ للصف السابع، إلى جانب طمس صور لنساء وأطفال، وإضافة الحجاب أو الجلباب إلى رسومات نسائية ظهرت في طبعات سابقة من دون هذه التعديلات.

وفي هذا السياق، رأت الناشطة "نور" ، في حديثها إلى "يورونيوز"، أن حذف الموناليزا وتعديل صور النساء يثيران تساؤلات بشأن المعايير التي تحكم اختيار المواد البصرية في المناهج، واعتبرت أن استبعاد عمل فني عالمي أو تغيير ملامح شخصيات نسائية تاريخية قد يتجاوز مسألة تنظيم المحتوى إلى فرض تصور محدد لما ينبغي أن يظهر أمام الطلاب.

صورة أرشيفية - صحفيون يمرون بجوار لوحة "الموناليزا" لليوناردو دا فينشي خلال زيارة لمتحف اللوفر
صورة أرشيفية - صحفيون يمرون بجوار لوحة "الموناليزا" لليوناردو دا فينشي خلال زيارة لمتحف اللوفر AP Photo

وتوضح نور أن الإشكالية لا تتمثل في القدرة على إخفاء لوحة الموناليزا أو منع الطلاب من الوصول إليها، بل في دلالة استبعادها من الكتاب المدرسي، وترى أن حذف اللوحة لا يمنع مشاهدتها فهي منتشرة في كل أرجاء العالم، لكنه قد يقلص فرصة تناولها في الصف، والتعرف إلى تاريخها ودلالاتها الفنية والثقافية.

وتربط الناشطة السورية بين هذا التغيير وبين التعديلات التي طالت صور نساء أخريات، معتبرة أن التعامل مع الأعمال الفنية والرموز النسائية بهذه الطريقة يثير تساؤلات بشأن احتمال إخضاع المحتوى البصري لمعايير اجتماعية وأيديولوجية محددة، وتضيف في حديثها لـ "يورونيوز" أن المسألة لا تتعلق بلوحة واحدة، بل بالحدود التي قد تُرسم لما يمكن أن يراه الطلاب داخل المدرسة، وبمدى قدرة المناهج على تمثيل التنوع الفني والثقافي من دون انتقاء تحكمه اعتبارات خارج السياق التعليمي.

وتحذر "نور" من أن تراجع حضور الأعمال الفنية والشخصيات النسائية في الكتب المدرسية قد يضيّق مساحة التعرّف إلى تجارب ثقافية مختلفة، مؤكدة أن حماية التعددية في التعليم لا تعني فرض رأي بعينه، بل إتاحة المعرفة للطلاب، وشرح سياقاتها التاريخية والفنية، وتمكينهم من تكوين فهم أوسع للعالم.

الأميرة "أليسار" بالحجاب! حين تمتد التعديلات إلى الماضي الفينيقي

من بين التغييرات التي أثارت ردود فعل واسعة، تعديل صورة أليسار، الأميرة الفينيقية المرتبطة بتأسيس قرطاج، عبر إضافة الحجاب إلى رسمها في النسخة المعدلة من الكتاب المدرسي، وفق المقارنات المتداولة بين الطبعات.

وترتبط الأميرة أليسار، في بعض المصادر، بروايات تأسيس قرطاج في شمال أفريقيا، بعد مغادرتها مدينة صور الفينيقية، وتضع الروايات التقليدية قصتها في القرن التاسع قبل الميلاد، أي قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة، ما جعل تعديل صورتها بلباس معاصر موضع انتقاد وسخرية على منصات التواصل الاجتماعي.

وتجاوزت الاعتراضات شكل الصورة إلى مسألة أوسع تتعلق بأمانة التمثيل التاريخي، فإضافة تفاصيل إلى مظهر شخصية من العصور القديمة من دون سند تاريخي واضح قد تمنح الطلاب انطباعاً غير دقيق عن طبيعة اللباس والعادات في تلك المرحلة، كما قد تخلط بين التصورات المعاصرة وما يمكن إثباته عن الماضي.

وفي قراءتها لهذه التغييرات، ترى الخبيرة التربوية السورية الدكتورة سمر (نشير فقط لاسمها الأول لدواع أمنية) أن تعديل صورة أليسار لا ينبغي التعامل معه بوصفه تفصيلاً فنياً بسيطاً، بل باعتباره مسألة تتصل بكيفية تقديم التاريخ بصرياً للأجيال الجديدة، وتعتبر أن إسقاط معايير معاصرة على شخصيات قديمة قد يؤدي إلى تشويه السياق التاريخي، إذا لم يستند إلى أدلة أو توضيحات علمية.

وحذرت سمر خلال حديثها مع "يورونيوز" من ربط حضور المرأة التاريخي بمظهر محدد لأن ذلك قد يضعف الرسالة التعليمية التي يفترض أن تنقلها هذه الشخصيات، والمتمثلة في التعريف بأدوارها السياسية والحضارية والفكرية، فمكانة أليسار في الذاكرة التاريخية ترتبط بالروايات التي جعلت منها شخصية مؤسسة، لا بمدى توافق صورتها مع معايير اللباس السائدة في عصر آخر.

يفتح التباين بين المراجعات التاريخية للمناهج والتدخلات البصرية الأخيرة الباب واسعاً أمام أسئلة الهوية والنوع الاجتماعي في التعليم السوري.

فبينما تدافع الجهات الرسمية عن هذه الخطوات بوصفها تنقية ضرورية وتوافقاً مع القيم الثقافية، يرى فيها أخرون رضوخاً لأيديولوجيا محافظة تعمل على تنميط المرأة وحجب الإرث الفني.

وفي ظل هذا الانقسام يبقى الرهان الحقيقي معلقاً على مدى قدرة المنظومة التعليمية المستقبلية على الموازنة بين الحفاظ على الدقة العلمية، وحماية التنوع الثقافي، وتقديم صورة للمرأة تعكس دورها الحقيقي كشريك قيادي وحضاري لا مجرد قالب بصري خاضع للاستبعاد أو التعديل.

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل

مواضيع إضافية

إقالة مفاجئة في البنتاغون.. اتهامات بتسريب أسرار الحرب على إيران تلاحق كبير المخططين العسكريين

تصعيد عسكري وأزمة إنسانية في تعز.. القوات الحكومية تتهم الحوثيين باستخدام قذائف سامة

سيول جارفة تضرب محافظات سوريا الشرقية.. وفاة شخص وإجلاء مئات العائلات وتعطّل جسور وطرق حيوية