حذر التقرير صراحة من أن "المخاطر المحدقة بالتوقعات تميل بقوة إلى الاتجاه سلبا". وفي حال امتداد أمد الصراع لفترة أطول، فإن التداعيات التي تعاني منها المنطقة حالياً ستتفاقم بدرجة أكبر.
خفض البنك الدولي بشكل حاد توقعاته لنمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط خلال العام المقبل، مرجعاً ذلك إلى التداعيات المباشرة للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر.
وحذرت المؤسسة الدولية، في تقرير نشرته اليوم الأربعاء، من أن المخاطر المحيطة بهذه التوقعات تميل بقوة نحو الاتجاه السلبي مع استمرار حالة عدم اليقين التي تخيم على المنطقة.
وتزامن صدور التقرير مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ساعة متأخرة من مساء أمس الثلاثاء، عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار يمتد لأسبوعين، مشترطاً موافقة طهران على إنهاء الحصار الذي تفرضه على حركة إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز.
ومن جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني أن بلاده ستوقف هجماتها بالمثل وستضمن مروراً آمناً عبر هذا الممر المائي الحيوي.
توقعات النمو تتراجع 2.4 نقطة مئوية
وكشف أحدث إصدار من تقرير "المستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان" أن إغلاق مضيق هرمز وما رافقه من تدمير للبنية التحتية للطاقة والمرافق العامة أسفر عن تعطيل كبير في الأسواق وزيادة حدة التقلبات المالية، مما أضعف آفاق النمو لعام 2026.
وباستثناء إيران، تشير تقديرات البنك إلى أن النمو الإجمالي في المنطقة سيتباطأ من 4.0% مسجلة في عام 2025 إلى 1.8% فقط في العام التالي. ويمثل هذا الرقم تراجعاً مقداره 2.4 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة التي أصدرها البنك في شهر يناير كانون الثاني الماضي.
اقتصادات الخليج والعراق تتحمل العبء الأكبر
وأوضح التقرير أن الانخفاض الحاد يتركز بشكل رئيسي في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، باعتبارها الأكثر تضرراً من تبعات الصراع المستمر. فقد جرى خفض توقعات النمو لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تضم المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للنفط على مستوى العالم، بمقدار 3.1 نقاط مئوية مقارنة بتوقعات يناير.
وبحسب الأرقام المحدثة، يتوقع البنك الدولي أن يتراجع نمو اقتصادات دول المجلس من 4.4% في عام 2025 إلى 1.3% فحسب خلال عام 2026.
وأرجع التقرير هذا التراجع في الأساس إلى الانخفاض الكبير في الإيرادات المتوقعة من قطاعي النفط والغاز جراء الاضطرابات التي أشعلها الصراع.
الكويت وقطر تواجهان انكماشاً اقتصادياً
وضمن دول مجلس التعاون، تبرز كل من الكويت وقطر بوصفهما الأكثر تأثراً بفعل محدودية التنويع الاقتصادي وارتباطهما الوثيق بقطاع الطاقة. وتوقع البنك أن ينكمش النمو في الكويت بنسبة 6.4%، بينما يصل الانكماش في قطر إلى 5.7% خلال العام الجاري.
وحذر التقرير صراحة من أن "المخاطر المحدقة بالتوقعات تميل بقوة إلى الاتجاه سلبا". وفي حال امتداد أمد الصراع لفترة أطول، فإن التداعيات التي تعاني منها المنطقة حالياً ستتفاقم بدرجة أكبر، متأثرة بارتفاع محتمل في أسعار الطاقة والغذاء وتراجع حركة التجارة والسياحة والتحويلات المالية إلى جانب ازدياد الضغوط المالية وموجات النزوح والتهجير.
دعوة لاقتصادات أكثر قدرة على الصمود
ونقل التقرير عن أوسمان ديون، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، قوله إن الأزمة الراهنة "تدفعنا بشكل قوي إلى ضرورة العمل الاستباقي من أجل المنطقة".
وأضاف ديون أن التحدي الحقيقي "لا يتمثل في الصمود أمام الصدمات فحسب، بل يشمل أيضا إعادة بناء اقتصادات أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وتعزيز أساسيات الاقتصاد الكلي، والابتكار، وتحسين الحوكمة، والاستثمار في البنية التحتية، وتهيئة القطاعات التي توفر فرص العمل والوظائف".
وشدد المسؤول الدولي على أن "السلام والاستقرار يمثلان شرطين أساسيين لتحقيق التنمية المستدامة للمنطقة"، موضحاً أنه من خلال السلام والإجراءات الصحيحة يمكن للبلدان بناء المؤسسات والقدرات وإيجاد قطاعات تنافسية تخلق فرصاً حقيقية للناس.
ويلفت التقرير إلى أن هذا الصراع يمثل صدمة جديدة تضاف إلى تحديات مزمنة تعاني منها المنطقة أصلاً، أبرزها ضعف نمو الإنتاجية وتراجع ديناميكية القطاع الخاص واستمرار معضلات سوق العمل.
ويرى البنك أن هذه الظروف تبرز بشكل عاجل ضرورة تعزيز الحوكمة وأساسيات الاقتصاد الكلي واتخاذ خطوات جادة لدعم إيجاد فرص عمل مستدامة وزيادة القدرة على الصمود على المدى البعيد.
السياسات الصناعية تحت المجهر
وفي هذا السياق طويل الأمد، تناول التقرير بالتحليل الإمكانات التي تملكها المنطقة في مجال السياسات الصناعية، أي الإجراءات الحكومية التي تستهدف تعزيز النشاط الاستراتيجي للشركات والمنشآت ليكون محركاً للنمو وخلق الوظائف. ويتساءل البنك حول مدى فعالية استخدام هذه السياسات وما إذا كانت تطبق بطرق قابلة للتنفيذ وتخضع للمساءلة وتتماشى مع القيود التي تواجه البلدان وأهدافها التنموية.
وخلال السنوات العشر الماضية، تبنت حكومات الشرق الأوسط السياسات الصناعية بإيقاع متسارع، خصوصاً عبر صناديق الثروات السيادية والشركات والمؤسسات المملوكة للدولة. لكن التقرير يشير إلى أن النتائج جاءت متباينة، ويشدد على أن وجود مؤسسات قوية وتوجيه دقيق للسياسات بات مطلباً ملحاً لا يحتمل التأجيل.
واختتمت روبرتا غاتي، رئيسة الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، بالقول إنه "من الضروري ألا يغفل الجميع عن العمل المطلوب لتحقيق السلام والازدهار على المدى الطويل، مع تحمل البلدان التبعات الجسيمة للصراع الحالي".