كيف يؤثر تغير المناخ على دلتا النيل في مصر؟

مزارع دالتا النيل في مصر.
مزارع دالتا النيل في مصر.   -   حقوق النشر  رويترز   -  
بقلم:  يورونيوز  مع رويترز

بدأ عماد عطية رمضان زراعة الأرز في قطعة أرض تبلغ مساحتها 5 هكتارات على أطراف مدينة دمياط المصرية، متخليا عن زراعة الطماطم التي لم تعد تنمو جيدا في تربة زادت ملوحتها بشكل كبير قرب ساحل البحر المتوسط.

يقول رمضان وهو يجمع العشب البري من أرضه ويتحقق من علامات تراكم الملح بها إن الأرز يُباع بسعر أقل، لكن مياه الري المستخدمة لزراعته تساعد في تطهير الأرض من الملح مما يعطيه فرصة للنمو.

رمضان هو أحد عشرات آلاف المزارعين الذين يكافحون للتكيف مع زحف الملوحة في دلتا النيل، وهي مثلث أخضر خصب مكتظ بالسكان ويتجه نحو البحر إلى الشمال من القاهرة ويمثل أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في مصر.

وقال رمضان "الأرض لو سبتيها 10 أيام من غير ما تشرب تلاقيها طردت ملوحة على وش الأرض".

على حدود أرضه يوجد حقل أصفر جاف قاحل بسبب الملوحة. حاول رمضان استخدام المواد الكيميائية دون تأثير يذكر وأكد أن ملوحة التربة "كل سنة تزداد".

يقول خبراء ومزارعون إن ارتفاع الملوحة في الدلتا له أسباب متعددة، بما في ذلك الإفراط في استخراج المياه الجوفية واستخدام الأسمدة ومبيدات الآفات. لكنهم يؤكدون أن الوضع سيزداد سوءا بسبب تغير المناخ الذي أدى بالفعل إلى ارتفاع مستويات سطح البحر ودرجات الحرارة في مصر.

تحديات مناخية مستقبلية تتطلب التغيير

تتضمن قمة المناخ المنعقدة بمدينة شرم الشيخ المصرية خططا لمساعدة أربعة مليارات شخص يعيشون في المناطق المعرضة للخطر، جنبا إلى جنب مع تحديد أهداف أكثر صرامة بشأن الانبعاثات المسببة لارتفاع درجة حرارة الكوكب.

ويقول علي أبو سبع، المدير العام للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، إنه بالنسبة لمزارعي الدلتا، تتراوح خيارات التكيف من إنشاء أحواض زراعة مرتفعة، أو استخدام قوالب الزراعة الطولية، لتحسين كفاءة الري والصرف، إلى استخدام سلالات بذور جديدة.

وقال وائل السيد، وهو مزارع في شرق الدلتا بالقرب من مدينة الزقازيق، إن الأحواض المرتفعة ساعدته في توفير الأسمدة والمياه، وضاعفت إنتاجية محصول القمح. لكن البعض الآخر يكافح من أجل معالجة التربة وغسلها وهم يقومون بتجربة محاصيل جديدة أو يعتمدون على الدورات الزراعية.

قرب مدينة سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، على بعد حوالي 28 كيلومترا إلى الجنوب من البحر، أشار إبراهيم عبد الوهاب، وهو مهندس زراعي يدير أراضي 15 مزارعا من أصحاب الحيازات الصغيرة، إلى قطعة أرض مليئة ببقع من التربة الجرداء ونبتات القطن التي تغير لونها تأثرا بحروق الملح.

منذ حوالي عقد من الزمان، كانت الطماطم والخيار والبطيخ والأناناس تُزرع على نفس تلك الأرض، ولكن الآن يتم زراعة المحاصيل الأكثر تحملا للملوحة مثل القطن والبنجر والأرز. وقال عبد الوهاب إن عدم انتظام هطول الأمطار ونقص المياه الصالحة للري جعل الزراعة أكثر صعوبة. وأضاف أن الملوحة تجعله يحتاج إلى غرس ضعف كمية البذور واستخدام سماد إضافي لتحقيق كثافة المحاصيل الطبيعية، لكن الإنتاجية لا تزال متأثرة.

استيراد الغذاء

تعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها 104 ملايين نسمة، بشكل كبير على استيراد الغذاء، وعادة تعد أكبر مستورد للقمح في العالم. ويقتصر إنتاجها الزراعي إلى حد كبير على وادي النيل الأوسع، حيث يمكن أن تكون المياه شحيحة وتكافح السلطات لمنع الناس من البناء على الأراضي الصالحة للزراعة.

وأظهر تقرير للبنك الدولي نُشر هذا الشهر، أن مصر هي خامس دولة على الصعيد العالمي عرضة للتأثير الاقتصادي لارتفاع مستوى سطح البحر على المدن، وسط وجود مخاطر على الزراعة ومياه الشرب من الفيضانات والتعرية وتسرب المياه المالحة.

ومن المتوقع أن تنخفض غلة المحاصيل الغذائية في مصر بأكثر من 10 بالمئة بحلول عام 2050 بسبب ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه وزيادة ملوحة مياه الري، وفقا لورقة بحثية نشرها المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية العام الماضي. وتشير بعض الدراسات إلى أن التأثير في منطقة الدلتا قد يكون أعلى من ذلك بكثير.

تغلغل الملوحة

ارتفعت مستويات سطح البحر في مصر بمقدار 3.2 ملليمتر سنويا منذ عام 2012، مما يهدد بفيضان وتآكل الشاطئ الشمالي للدلتا ودفع المياه المالحة إلى التربة والمياه الجوفية التي يستخدمها المزارعون للري. تعمل درجات الحرارة المرتفعة على تسريع عملية التبخر، مما يؤدي إلى زيادة تركيز الأملاح.

فعلى مدار الثلاثين عاما الماضية، زادت درجات الحرارة في مصر بمقدار 0.4 درجة مئوية لكل عقد، وفقا لبيانات من وحدة أبحاث المناخ بجامعة إيست أنجليا. وتُظهر بيانات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ارتفاع درجة حرارة شمال إفريقيا بمقدار 1.5 درجة مئوية بحلول منتصف القرن، مقارنة بفترة 1995-2014.

ويقول العلماء إن الملوحة تختلف من مكان إلى آخر ومن الصعب قياس المساهمة الدقيقة لتغير المناخ. لكنها تؤثر بالفعل على 15 بالمئة من أفضل الأراضي الصالحة للزراعة في الدلتا، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، ومن المتوقع أن تزحف جنوبا.

وقال محمد عبد المنعم أحد كبار مستشاري المنظمة "مع مرور الوقت ومع ارتفاع مستوى سطح البحر ستتغلغل الملوحة إلى الدلتا. وسوف تتعمق أكثر".

تشير دراسة نُشرت العام الماضي في مجلة الاستدامة إلى أن 60 بالمئة من مساحة 450 كيلومترا مربعا في شمال شرق الدلتا ستتأثر سلبا بنهاية القرن بارتفاع نسب المياه الجوفية المرتبط بارتفاع مستوى سطح البحر.

تبخر المياه

كما يهدد تسرب مياه البحر وملوحتها دلتا نهر ميكونغ في فيتنام ودلتا نهري الغانج وبراهمابوترا في بنغلادش. وتقول كلوديا رينجلر، خبيرة الموارد المائية والسياسة الزراعية في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، إن الأمر يمثل تحديا لا سيما في وادي النيل بسبب المناخ الصحراوي الجاف. وتضيف "يتوجب القيام بعمل أفضل بكثير في مكان مثل دلتا النيل لأن الماء يتبخر بسرعة".

للتكيف حدود، فقد تساعد زراعة الأرز في غسل التربة، لكن الحكومة فرضت قيودا على المحصول في أجزاء من الدلتا وذلك بسبب شح المياه.

بالقرب من مدينة المنصورة، إلى الشمال الشرقي من القاهرة وعلى بعد حوالي 70 كيلومترا من الساحل، قال المهندس الزراعي ومدير الأراضي الزراعية حسام العزباوي إنه حتى بالنسبة لمحصول أكثر تحملا للملوحة مثل البنجر، يمكن أن تنخفض الغلة بأكثر من النصف في المناطق المتأثرة بالملوحة.

viber

وفي بعض الأراضي التي يديرها، تحول العزباوي إلى زراعة القطن، النبتة التي تمتد جذورها أعمق إلى تربة أقل ملوحة. وقد أجرى هذا العام تجارب  لسلالة جديدة من الأرز تزيد المحصول بنسبة 18 بالمئة في حقول الأرض المتشققة والمليئة بالأملاح. وقال العزباوي "مافيش علاج جذري للملوحة وسريع، محتاجة شغل كتير".