تلوح أمام المملكة المتحدة مخاطر تشمل اضطرابًا جيوسياسيًا متزايدًا، وتدهورًا في الأمن الاقتصادي، وتصاعد النزاعات، وارتفاعًا في وتيرة الهجرة.
حُذّرت المملكة المتحدة من أن انهيار الأنظمة البيئية العالمية يشكّل تهديدا مباشرا للأمن القومي والازدهار. تقرير جديد صادر عن وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية (DEFRA) ـ ويُفهم أنه شاركت فيه "إم آي 5" و"إم آي 6" ـ يخلص إلى أن العالم يختبر بالفعل آثار فقدان التنوع البيولوجي، من فشل المحاصيل وتفاقم الكوارث الطبيعية إلى تفشّي الأمراض المعدية. ومع ذلك، يحذر التقرير من أنه من دون "تدخل كبير" ستتزايد هذه التهديدات مع تدهور البيئة، وستتسرّب إلى عدم الاستقرار الجيوسياسي وانعدام الأمن الاقتصادي والنزاعات والهجرة وتزايد التنافس على الموارد. ويشير إلى أن الجريمة الخطيرة والمنظّمة ستسعى إلى "استغلال والسيطرة" على الموارد الشحيحة، مما يدفع المزيد من الناس إلى الفقر؛ ومع تجاوز المزيد عتبة انعدام الأمن الغذائي سترتفع الهجرة، إذ يُظهر تقرير مرجعي صادر عام 2021 عن مجلس المخاطر الاستراتيجية أن زيادة بنسبة واحد في المئة في انعدام الأمن الغذائي تدفع 1.9 في المئة إضافية من السكان إلى الهجرة. وستتعمّق الاستقطابات والاضطرابات السياسية في المناطق التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي والمائي، مع ارتفاع قابلية المجتمعات للتضليل، فيما يغدو "النزاع والتصعيد العسكري" أكثر ترجيحا داخل الدول وفيما بينها مع تنافس المجموعات على الأراضي الصالحة للزراعة وموارد الغذاء والمياه، وستتفاقم النزاعات القائمة. كما سيمنح هذا "تأثير الدومينو" مزيدا من الفرص للجهات غير الحكومية، بما في ذلك الجماعات الإرهابية، وقد "تستحوذ على موارد شحيحة". وعلى الإجمال، سيصبح انعدام الأمن الاقتصادي أكثر احتمالا لأن الطبيعة أصل محدود يرتكز عليه الاقتصاد العالمي؛ ووفق وزارة الخزانة البريطانية، يتطلب الحفاظ على مستويات الاستهلاك الحالية موارد تعادل 1.6 من كوكب الأرض.
لماذا أمن المملكة المتحدة مهدد
يسلّط الكثير في التقرير المؤلف من 14 صفحة الضوء على اعتماد المملكة المتحدة على الأسواق العالمية في الغذاء والأسمدة؛ فهي تستورد حاليا نحو 40 في المئة من غذائها من الخارج، يأتي ربعها من أوروبا. وتعتمد "بشكل كبير" على الواردات في الفاكهة الطازجة والخضروات والسكر، بينما يعتمد إنتاج اللحوم أيضا على واردات الصويا من أمريكا الجنوبية. كما أن المملكة المتحدة غير مكتفية ذاتيا في الأسمدة التي تُسهم في زيادة إنتاجية المحاصيل وقيمتها الغذائية محليا. ويؤكد التقرير أن "فقدان التنوع البيولوجي، إلى جانب تغير المناخ، من أكبر التهديدات المتوسطة إلى الطويلة الأجل للإنتاج الغذائي المحلي" عبر استنزاف التربة وفقدان الملقّحات وظروف الجفاف والفيضانات، وأن "انهيار النظم البيئية سيضع النظام الزراعي البريطاني تحت ضغط شديد، ليكابد التحول إلى مناهج وتقنيات جديدة لازمة للحفاظ على الإمدادات الغذائية". ويضيف أن أي اضطراب كبير في الأسواق الدولية بسبب تدهور أو انهيار النظم البيئية سيعرّض أمن الغذاء في المملكة المتحدة للخطر.
جرس إنذار للحكومة البريطانية
تقول فايف ستراشان من منظمة "إيرثسايت" غير الربحية المعنية بكشف الجرائم البيئية إن التقرير يجب أن يكون "جرس إنذار". وتضيف: "على المملكة المتحدة أن تتحرك على وجه السرعة لتعزيز وتطبيق قانون البيئة من أجل حماية ما تبقى من غابات العالم عبر معالجة الدور الذي يلعبه استهلاك المملكة المتحدة في تدميرها". قانون البيئة لعام 2021 تشريع مفصلي يهدف إلى تنظيف هواء البلاد واستعادة الموائل الطبيعية وزيادة التنوع البيولوجي وتقليل النفايات و"تحسين استخدام" موارد البلاد؛ وقد دخل حيز التنفيذ في عهد حكومة جونسون ويلزم قانونا المملكة المتحدة بوقف تراجع الأنواع بحلول 2030. ومع ذلك، ضخّ القطاع المصرفي البريطاني أكثر من مليار جنيه إسترليني (نحو 1.14 مليار يورو) في شركات "عالية المخاطر على الغابات" حول العالم منذ قمة المناخ "COP26"، ويقول خبراء غلوبال وِتنِس إن ذلك يقوّض تعهدات البلاد تجاه مكافحة إزالة الغابات. ووجدت تحليلات حديثة لوحدة ذكاء الطاقة والمناخ (ECIU) أن المملكة المتحدة تتخلف أيضا عن أهداف زراعة الأشجار، محذّرة من أن البلاد قد تفوّت "النافذة الحرجة" لإنشاء المسطحات الحرجية اللازمة لتحقيق أهداف المناخ والطبيعة. وقال متحدث باسم DEFRA لـ Euronews Green إن زراعة الأشجار بلغت الآن أعلى مستوياتها منذ 20 عاما، لكنه لم يرد مباشرة على الادعاءات بأنها تتخلف عن الهدف. وتقول جيما هوسكينز من مجموعة المناخ "مايتي إرث": "إن الغابات العالمية تُدفع نحو الانهيار بسبب الإنتاج الغذائي الصناعي، وهو ما يحذر تقرير الحكومة البريطانية من أنه يعرّض أمننا القومي للخطر". وتتابع: "لقد باتت التأخيرات في آلية تشريعية قوية غير مقبولة، بالنظر إلى ما يقول التقرير إنه قادم على الطريق. لا بد من خطة واضحة وعاجلة لإبقاء الغابات قائمة وإنهاء الاستهلاك القائم على إزالة الغابات في المملكة المتحدة". وتدعو "ائتلاف الغابات" الحكومة البريطانية إلى تنفيذ الجدول 17 من قانون البيئة، الذي سيحظر استخدام السلع المزروعة على أراضٍ أزيلت غاباتها بطريقة غير قانونية، والمضي أبعد من ذلك بإنهاء واردات السلع المزروعة على أي أراضٍ أُزيلت غاباتها.
كيف تبدو الصورة في أوروبا؟
لا دولة في العالم بمنأى عن تداعيات فقدان التنوع البيولوجي، بما في ذلك أوروبا، وهي القارة الأسرع احترارا في العالم. ورغم أنها من المناطق ذات أدنى مستويات انعدام الأمن الغذائي، فقد زاد تغير المناخ بالفعل من المخاطر لما يقرب من 12 مليون أوروبي. ويقول البرلمان الأوروبي إن ثلث الاتحاد الأوروبي يعاني أيضا من إجهاد مائي على مدار العام؛ فمستويات الكمية والنوعية الكافية للمياه أساسية للأمن الغذائي، إذ يستحوذ القطاع الزراعي على نحو 30 في المئة من السحب السنوي للمياه. وعلى غرار المملكة المتحدة، تعتمد أوروبا بشكل كبير على واردات الغذاء مثل الذرة والأرز والقمح والكاكاو والقهوة والصويا، يأتي كثير منها من دول هشّة مناخيا ذات موارد محدودة للتكيف مع التدهور البيئي الناجم عن الإنسان. كما تمثل الاستهلاكات في الاتحاد الأوروبي نحو 10 في المئة من إزالة الغابات عالميا، مدفوعة في معظمها بزيت النخيل والصويا (وتُستخدم أساسا كعلف للحيوانات).