بحر البلطيق لا يَظهَر عليه حتى الآن أي تحسن يُذكر في نوعية مياهه، رغم جهود الحماية والمحافظة المستمرة منذ عقود طويلة.
يتعرض بحر البلطيق منذ عقود لضغوط خانقة، بعدما حوّلته الأنشطة البشرية إلى واحدة من أكبر "المناطق الميتة" في العالم.
بسبب ثلاثية قاتلة تجمع بين تغير المناخ والطحالب المستنزِفة للأكسجين والدورات الداخلية للمواد، يكافح بحر البلطيق ليلتقط أنفاسه، فيما لا تبدو سنوات من إجراءات الحماية كافية لتحسين وضعه.
ويطالب تقرير جديد صادر عن معهد لايبنيز لأبحاث بحر البلطيق في فارنمنده (IOW) بتشديد إدارة المياه، محذرا من أن بحر البلطيق لا يمكن أن يتعافى استنادا إلى "مبدأ بسيط للسبب والنتيجة".
لماذا يختنق بحر البلطيق؟
على مدى أكثر من نصف قرن، يعاني بحر البلطيق من ظاهرة التخثث، أي الإفراط في تغذية مياهه بالمواد المغذية.
ويحدث ذلك عندما تُغنى البيئة بشكل مفرط بعناصر مثل النيتروجين والفسفور، ما يؤدي إلى تكاثر كثيف للطحالب، واستنفاد للأكسجين، ومن ثم اختناق الكائنات المائية. وعندما تتحلل الكميات الزائدة من الطحالب وتنتج كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ينخفض الأس الهيدروجيني لمياه البحر ويزداد خطر تحمّضها.
وتأتي هذه المغذيات إلى حد كبير من الأنشطة البشرية، مثل الأسمدة وروث الماشية في الزراعة، ومياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة بشكل سيئ، إضافة إلى النفايات الصناعية، ولا سيما من صناعات تصنيع الأغذية والكيماويات.
ويمكن أيضا أن ينتهي المطاف بالنيتروجين الناتج عن حرق الوقود الأحفوري في مياهنا من خلال عملية تُعرف بالترسّب الجوي.
وغالبا ما يؤدي التخثث إلى ظهور ما يعرف بـ"المناطق الميتة"، وهي مناطق تقل فيها كمية الأكسجين إلى حد لا يسمح بوجود حياة تُذكر تحت سطح الماء.
وبفضل تشريعات الاتحاد الأوروبي والقوانين الوطنية، أسهمت مبادرات الحماية مثل "خطة عمل بحر البلطيق" التابعة للجنة هلسنكي لحماية بحر البلطيق (HELCOM) في خفض واضح للتلوث بالمغذيات الناتج عن الأنشطة البشرية.
وبحسب معهد IOW، انخفضت كميات الفسفور في الأنهار منذ ثمانينيات القرن الماضي بنحو 50 في المئة، كما تراجعت كميات النيتروجين بحوالي 30 في المئة.
في عام 1995 تجاوز إجمالي كميات الفسفور التي صُرفت إلى وسط بحر البلطيق 20.000 طن سنويا، قبل أن تنخفض إلى نحو 12.400 طن بحلول عام 2017.
ورغم هذا التقدم المتراكم على مدى عقود، يحذر العلماء من أنه لم تُسجل حتى الآن أي "تحسينات كبيرة" في نوعية مياه السطح في بحر البلطيق.
لماذا لم تُجدِ جهود الحماية نفعا؟
بحر البلطيق بيئة مائية شبه مالحة وشديدة التطبق. وبعبارة مبسطة، مياهه أكثر ملوحة من المياه العذبة، وأقل ملوحة من مياه البحار والمحيطات المعتادة، كما تتكوّن في طبقات، حيث تتموضع المياه السطحية الأقل ملوحة فوق مياه أعمق أكثر ملوحة وكثافة.
ويجعل ذلك من الصعب بوجه عام وصول الأكسجين القادم من الغلاف الجوي إلى الطبقات العميقة.
ويشرح التقرير (المصدر باللغة الإنجليزية) قائلا: "لذلك تؤدي عملية تحلل المواد العضوية في كثير من الأحيان إلى استنفاد الأكسجين في الأعماق، التي لا يمكن تهويتها إلا مؤقتا عبر حالات نادرة من تدفق مياه مالحة من بحر الشمال".
وقد يكون أحد هذه التدفقات النادرة على وشك الحدوث: ففي مطلع فبراير، دُفع 275 مليار طن من المياه إلى خارج بحر البلطيق، ما خفّض منسوبه بمقدار 67 سنتيمترا. وتغذّى هذا الحدث بمزيج من الرياح القوية، ومنطقة ضغط جوي مرتفع وغياب جبهات جوية كبيرة.
وجاء في منشور لمعهد علم المحيطات التابع للأكاديمية البولندية للعلوم: "دفعت الرياح الشرقية القوية والمستمرة منذ بداية يناير كتل المياه عبر المضايق الدنماركية باتجاه بحر الشمال، ما أدى إلى انخفاض في مستويات المياه في الحوض بأكمله".
ويضيف المنشور: "ما دامت هذه الوضعية الجوية مستمرة، تُحتجز المياه عند الطرف الجنوبي الشرقي للأحواض، مع انخفاض مستوياتها محليا".
وعند انتهاء هذه الحالة، يُتوقع أن تُطلق تدفقا معاكساً لمياه مالحة غنية بالأكسجين من بحر الشمال إلى داخل بحر البلطيق، ما قد يساعد مؤقتا في إنعاش المناطق الميتة الخالية من الأكسجين. لكن من غير المرجح أن تدوم هذه المكاسب طويلا.
هل تغير المناخ هو المسؤول؟
رغم أن تخثث بحر البلطيق سببه التلوث بالمغذيات، فإن تغير المناخ يزيد بلا شك الأمور سوءا.
فقد ارتفعت درجات حرارة سطح المياه في حوض غوتلاند الأوسط بمتوسط يقترب من درجتين مئويتين منذ عام 1960. وتشير نماذج الدراسة الجديدة لمعهد IOW إلى أن اتجاه الاحترار نفسه يمكن رصده أيضا في الطبقات المائية الأعمق.
ويضيف التقرير: "وبما أن المياه الأكثر دفئا تمتص كمية أقل من الأكسجين مقارنة بالمياه الباردة، فإن التدفقات الصيفية تكون أقل قدرة على تهوية أحواض بحر البلطيق العميقة من التدفقات الشتوية".
وفي المياه الأكثر دفئا يُستهلك الأكسجين بشكل أسرع، مما يزيد من احتمالات توسّع "المناطق الميتة".
"الماضي يترك آثارا طويلة الأمد"
التركيز على تراجع التلوث بالمغذيات في بحر البلطيق يتجاهل الآثار الطويلة الأمد لدورة الفسفور، التي تؤدي دورا محوريا في استمرار تخثث مياهه.
ويشير تقرير معهد IOW إلى أنه في الظروف اللاهوائية، أي عند غياب الأكسجين، يُطلِق القاع الرسوبي كميات من الفوسفات تتراكم في الماء. ويعود ذلك أساسا إلى غياب مركّبات الحديد المؤكسدة، التي كانت لتثبت هذه المغذيات داخل الرواسب لو كانت موجودة.
ورغم آمال كثيرة في أن تسهم التدفقات الواردة من بحر الشمال في إزالة الفوسفات من مياه البلطيق، اكتشف الباحثون أنه في شتاء عام 2014 أزيل حوالي 30 في المئة فقط من الفوسفات من الماء، ودُفن نحو خمسة في المئة منه بشكل دائم في الرواسب.
ويقول التقرير: "إن حلقة التغذية الراجعة بين استنفاد الأكسجين وإطلاق الفوسفات في الأحواض العميقة لبحر البلطيق تغيّر أيضا تركيب العوالق النباتية في مياه السطح".
وفي الصيف، يقل اندماج أزهار الطحالب الزرقاء-الخضراء في الشبكة الغذائية البحرية، ونتيجة لذلك تهوي بعد نفوقها كميات كبيرة من المادة العضوية إلى قاع بحر البلطيق.
ويتابع: "بهذه الطريقة تُنقل مركّبات الفسفور إلى الرواسب، حيث تستمر في التراكم وتحفّز استنفاد الأكسجين من خلال عملية التحلل".
لذا فإن تراجع التلوث بالمغذيات لم يؤدِّ إلى انخفاض ملحوظ في تركيزاتها داخل البحر، إذ يحمل بحر البلطيق اليوم ما يشبه "ديناً من المغذيات" تراكم على مدى عقود من الأنشطة البشرية.
هل يمكن لبحر البلطيق أن يتعافى؟
يسلّط الباحثون الضوء على أربع استراتيجيات رئيسية في إدارة البيئة البحرية لمساعدة بحر البلطيق على "التنفس" مجددا. وتشمل هذه الاستراتيجيات الاستمرار في خفض التلوث بالمغذيات بصورة أكبر، وتعزيز أو استعادة المرشّحات الساحلية الطبيعية مثل البحيرات الساحلية والفيوردات ومصبات الأنهار، التي يمكنها احتجاز المغذيات وتثبيتها بشكل دائم.
ويضيف التقرير: "يجب توسيع الإجراءات المعتمِدة على الطبيعة، مثل تشجيع نمو مروج الأعشاب البحرية أو زراعة الطحالب المجهرية بشكل مقصود لإزالة المغذيات من الماء بشكل نشط"، موضحا أن "الشعاب البحرية وبقع تجمعات المحار تسهم هي الأخرى في ذلك".
ويدعو التقرير أيضا إلى توسيع نطاق "الرصد بعيد المدى وأنظمة القياس الحديثة"، مؤكدا أن أنظمة الاستشعار الجديدة ستساعد في رصد التحسينات أو الانتكاسات في مرحلة مبكرة.