أعاد إعلان منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة بسبب تفشي سلالة من فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديموقراطية، المخاوف بشأن عودة أحد أكثر الفيروسات فتكًا في العالم إلى واجهة التهديدات الصحية الدولية.
أعلنت منظمة الصحة العالمية، الأحد، حالة طوارئ صحية عامة بعد تفشي سلالة من فيروس إيبولا في الكونغو الديموقراطية، أسفرت عن وفاة أكثر من 80 شخصاً، وسط تحذيرات من عدم توفر لقاح مخصص لهذه السلالة.
وتصاعد القلق من احتمال خروج التفشي عن السيطرة بعد تأكيد تسجيل إصابة في مدينة غوما شرقي البلاد، الواقعة تحت سيطرة حركة "23 مارس" المدعومة من رواندا. وبحسب آخر تحديث صادر عن المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض، فقد أودى الفيروس بحياة 88 شخصاً، فيما يُشتبه بإصابة 336 آخرين.
وأعرب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، عن "قلقه البالغ" إزاء تزايد الإصابات، معلناً أن التفشي بات يُصنف "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً"، من دون أن يصل حتى الآن إلى مستوى "الطوارئ الوبائية" الأعلى وفق اللوائح الصحية الدولية.
متى ظهر "إيبولا"؟
مع تصاعد أعداد الوفيات والإصابات، واتساع رقعة التفشي نحو مناطق تشهد اضطرابات أمنية وحركات نزوح وتنقلاً كثيفاً للسكان، تُطرح التساؤلات حول فيروس إيبولا: متى ظهر، كيف ينتشر، ولماذا يثير كل هذا القلق العالمي؟
داخل الغابات الاستوائية في وسط إفريقيا، ظهر فيروس إيبولا للمرة الأولى عام 1976 في جمهورية الكونغو الديموقراطية، التي كانت تُعرف حينها باسم زائير.
ويحمل الفيروس علمياً اسم "Orthoebolavirus zairense"، وقد استمد اسمه من نهر إيبولا الواقع شمال البلاد قرب المنطقة التي شهدت أول تفشٍ معروف للمرض.
وينتمي الفيروس إلى عائلة "الفيروسات الخيطية" المعروفة بأعراضها الحادة والحمى النزفية الشديدة.
وحتى اليوم، حدد العلماء ست سلالات مختلفة من الفيروس، هي: زائير، السودان، بونديبوغيو، ريستون، غابة فوريست، وبومبالي، فيما تُعد سلالة "زائير" الأكثر انتشاراً والأكثر ارتباطاً بحالات العدوى منذ عام 2014.
كيف ينتقل الفيروس؟
تُعد خفافيش الفاكهة الحاضن الطبيعي لفيروس إيبولا، إذ يمكنها حمل الفيروس ونقله من دون أن تظهر عليها أي أعراض مرضية. كما يمكن أن تنقله حيوانات أخرى إلى البشر، مثل القردة والظباء وحيوانات النيص.
وخلال تفشي الأوبئة، ينتقل الفيروس بين البشر عبر الاتصال المباشر والوثيق مع المصابين، أو من خلال ملامسة سوائل أجسامهم، كالدم والقيء والبراز. كما تسجل حالات عدوى خلال مراسم الدفن عند ملامسة جثامين الضحايا.
ورغم أن فيروس إيبولا لا ينتقل عبر الهواء، ما يجعله أقل عدوى مقارنة ببعض الأمراض الفيروسية الأخرى، إلا أن خطورته تكمن في معدل الوفيات المرتفع للغاية، والذي تراوح بين 40 و70 في المئة خلال موجات التفشي الأخيرة في الكونغو الديموقراطية، وفق منظمة الصحة العالمية.
وفي تطور يثير مخاوف إضافية، أشارت دراسة نشرتها مجلة "نيتشر" العلمية إلى أن الفيروس قد يبقى كامناً لدى بعض الناجين لسنوات، قبل أن يعاود الظهور ويتسبب بتفشٍ جديد.
ماذا نعرف عن الأعراض؟
تبدأ أعراض المرض عادة بعد فترة حضانة تمتد بين يومين و21 يوماً، وتظهر بشكل مفاجئ على هيئة حمى شديدة وإرهاق وآلام عضلية وصداع والتهاب في الحلق.
وبعدها، تتطور الحالة لدى كثير من المصابين إلى قيء وإسهال وآلام في البطن وطفح جلدي، إضافة إلى اضطرابات في وظائف الكلى والكبد، وقد تترافق أحياناً مع نزيف داخلي وخارجي.
ولا تنتهي المعاناة دائماً مع النجاة من المرض، إذ غالباً ما يواجه الناجون مضاعفات صحية طويلة الأمد، تشمل التهابات المفاصل ومشكلات في النظر والتهابات العين وصعوبات في السمع.
لماذا يصعب احتواء المرض؟
حتى الآن، يتوفر لقاحان فقط مخصصان لسلالة "زائير" من فيروس إيبولا، هما لقاح "إرفيبو" الذي تطوره شركة Merck، ولقاح "سابدينو" التابع لشركة Johnson & Johnson. كما بدأت منذ أواخر عام 2022 تجارب على ثلاثة لقاحات محتملة لسلالة "السودان"، بعد موافقة منظمة الصحة العالمية.
وإلى جانب اللقاحات، تتوفر علاجات تعتمد على الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، وهي أجسام تُنتج داخل المختبرات وتشبه الأجسام المضادة الطبيعية، وتستهدف بروتيناً محدداً على سطح الفيروس، ما يسهم في خفض معدلات الوفيات بشكل ملحوظ لدى المصابين بسلالة "زائير". لكن، وحتى مع العلاجات المتاحة، يبقى التعامل الطبي مع المرض قائماً أساساً على دعم جسم المريض عبر إعادة الترطيب ونقل الدم ومراقبة الأعراض.
وقد سُجلت بين عامي 2013 و2016 أكثر موجات إيبولا خطورة، بعدما بدأ بجنوب غينيا في كانون الأول/ديسمبر 2013 قبل أن يتمدد إلى دول غرب إفريقيا. وخلف الوباء أكثر من 11,300 وفاة من أصل نحو 29 ألف إصابة مسجلة، معظمها في ليبيريا وسيراليون وغينيا، قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية انتهاءه رسمياً في آذار/مارس 2016.
أما الكونغو الديموقراطية، فقد تحولت خلال العقود الماضية إلى واحدة من أكثر الدول مواجهة لتفشيات إيبولا، إذ سجلت أكثر من 15 موجة تفشٍ منذ عام 1976، أودت بحياة أكثر من 3 آلاف شخص، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية.
وسجلت البلاد بين عامي 2018 و2020 أعنف موجة تفشٍ في تاريخها، بعدما حصد الفيروس أرواح نحو 2300 شخص. أما آخر تفشٍ سابق للمرض، فسُجل في آب/أغسطس الماضي في المنطقة الوسطى من البلاد، وأدى إلى وفاة 34 شخصاً على الأقل، قبل إعلان السيطرة عليه في كانون الأول/ديسمبر.
ورغم الخبرة الطويلة التي تمتلكها الكونغو الديموقراطية في احتواء تفشي إيبولا، فإن التحديات الحالية تبدو أكثر تعقيداً، خصوصاً في إقليم إيتوري شرقي البلاد، حيث تعرقل حركة السكان المستمرة وعمليات تعدين الذهب والهجمات المتكررة التي تنفذها جماعات مسلحة جهود احتواء المرض ومنع توسعه.