المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

إحالة فلاديمير بوتين إلى المحكمة الجنائية الدولية.. عملية إجرائية معقّدة لكنها غير مستحيلة

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين   -   حقوق النشر  Mikhail Klimentyev, Sputnik, Kremlin Pool Photo via AP

في ظل الحرب التي يديرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، ازدادات الدعوات في الآونة الأخيرة مطالبة بإحالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى محكمة الجنايات الدولية بتهم ارتكابه "جرائم حرب".

وهذه الدعوة كان قد أطلقها سفير أوكرانيا لدى الأمم المتحدة سيرغي كيسليتسيا متهما بوتين بأنه وراء "استخدام روسيا قنابل فراغية في هجوم على بلدة أوختيركا شمال شرق البلاد" كما أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتهم روسيا وبوتين بشكل خاص بارتكاب جرائم حرب بعد "أن شنت القوات الروسية غارات جوية على خاركيف وقتلت مدنيين".

عملية معقّدة

من الناحية الإجرائية، يبدو أن الإدانة بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية تتطلب كثيرا من الإحالات القضائية التي ينبغي أن تثبت بـ" الجرم المشهود" ما ينهض حجة من جرائم تدين المدعّى عليه. على اعتبار أن إدانة الأفراد او محاكمتهم يندرج عمليا ضمن دائرة اختصاص محكمة الجنايات ومقرها لاهاي والتي تعتبر "محكمة الملاذ الأخير".

ما هو حجم التحرك الذي يمكن أن تتخذه المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس بوتين حين يتعلق الأمر بمجمل الاتهامات التي ساقها سواء الرئيس الأوكراني أو بعض منظمات المجتمع المدني تلك التي تدافع عن حقوق الإنسان؟

إجراءات قانونية صعبة

تتطلب لوائح الاتهام بالإدانة "الجنائية" أساسا جملة من الإجراءات القانونية،"الدقيقة" التي ينبغي على المدّعي أن يثبتها وفق ما تحدده ما يطلق عليه في الأعراف القانونية بـ"وصف الجناية"، هذا من جانب و من جانب آخر، فإن الإجراءات ذاتها معقدة للغاية، ذلك أن اطراف القضية ينبغي أن يكونوا حاضرين جميعهم أثناء تلاوة منطوق الحكم أو توجيه الاتهامات وهذا أمر على جانب من الصعوبة كبير في وضع الرئيس يوتين. لكن العملية على الرغم من من صعوبتها فإن إدانة فرد ما، ليست أيضا بالمهمّة المستحيلة.

تجميع أدلة لوائح الاتهام

أثار العدد المتزايد من الضحايا المدنيين في أوكرانيا اتهامات بأن موسكو ارتكبت جرائم حرب من خلال قصف أهداف غير عسكرية بلا هوادة في المدن واستخدام الأسلحة التي تزيد من خطر الموت والإصابة لغير المقاتلين. وفي هذا السياق، أكدت الحكومة الأوكرانية في وقت سابق، أنها ستعمل بلا هوادة من أجل تسهيل مجريات التحقيق التي شرعت فيها محكمة الجنايات الدولية من خلال العمل على جمع أدلة ما تعتبره جريمة حرب ضد الإنسانية. فقد أرسلت فرقًا من الخبراء إلى المواقع التي تم قصفها من أجل "تثبيت" الحجج ضد روسيا، و بشكل منهجي ضد الرئيس بوتين ليمثل أمام قضاة المحكمة.

فتح تحقيق

في الشهر الماضي، أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان عن فتح تحقيق في جرائم حرب محتملة ارتكبت في أوكرانيا طالت المدنيين. قرار أشاد به رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي خلال قمتهم في فرساي يوم الجمعة الماضي. وقال المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية إنه تم جمع أدلة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية في حين تنفي روسيا استهداف المدنيين.

أوصاف جرائم الحرب في الحالة الأوكرانية

بموجب القانون الدولي، تشمل جرائم الحرب استهداف المدنيين، وكذلك الهجمات التي تسبّب خسائر مدنية ويشمل ذلك الهجمات على المستشفيات والعيادات والمدارس والمعالم التاريخية وغيرها من المواقع المدنية الأساسية . ينسحب الأمر أيضا، على كل ما يتعلق بمهاجمة أو قصف المدن والقرى والمساكن غير المحميّة والتي لا تشكل أهدافًا عسكرية.

ومع ذلك ، فإن العديد من أعمال العنف المروعة التي تؤدي إلى مقتل "غير المقاتلين" قد لا تفي بالمعايير حين يتعلق الأمر بوصف لائحة الاتهامات. وفي معظم الحالات، من الصعب للغاية إثبات أن ظروف قتل المدنيين يشكل جريمة حرب، ذلك انه يمكن التلاعب بالسبب الكامن وراء مقتل فرد من المدنيين، إن بنيران صديقة مثلا أو من خلال تصويب من جنود "العدو".

معايير الإدانة في عرف المحكمة الجنائية

وفي حديث ليورونيوز، قالت مارتي فلاك، مديرة مبادرة حقوق الإنسان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: "إن معيار الإدانة في محكمة جنائية دولية يتطلب قرائن قوية للغاية، حتى يمكن وصف حادث ما باعتباره جريمة حرب".

ولفتت قائلة: "إن توقّع محاكمة شخص ما على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية هو أن يكون قادرًا على إثبات المسؤولية الفردية، وأن يكون قادرًا على إثبات أنه يقود أو ان يكون مسؤولا عن سياسة ما لارتكاب تلك الجرائم، وقد يكون ذلك صعبًا للغاية، لا سيما عندما يغيب مستوى التعاون بين دوائر المحكمة الجنائية وجهاز الدولة التي يتمني إليها الشخص المتهم وهو أمر بعيد المنال بالطبع في حالة روسيا ".

لتتمكن المحكمة الجنائية من توجيه الاتهام إلى شخص ما ، يجب على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إثبات أن الجرائم المزعومة هي جرائم فظيعة: تشمل إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب. يحدد المدعي العام مستويات الخطورة من خلال فحص حجم وطبيعة وطريقة وتأثير الجرائم المزعومة وتداعياتها أيضا على المدنيين.

هل يمكن إصدار مذكرة توقيف بحق بوتين؟

المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2000، تحاكم الأفراد المتهمين بأخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي، كما تنظر أساسا في توجيه اتهامات مصحوبة سواء بإدانات او إخلاء سبيل، ولا تحكم على الدول ذلك أن أمرا كهذا سيكون من اختصاص محكمة العدل الدولية.

ففي ظل الحرب على اوكرانيا، تنظر محكمة الجنايات في الاتهامات ضد الرئيس بوتين و أشخاص آخرين من كبار قادة الكرملين "مسؤولين" عن جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية محتملة في أوكرانيا.

بمجرد وجود أدلة كافية لإظهار ارتكاب جرائم فظيعة ، يمكن للمدعي العام أن يطلب من غرفة في المحكمة الجنائية الدولية إصدار أمر بالقبض على بوتين. ولكن قد يكون من الصعوبة بمكان جعل أمر الإحالة ممكنا بالنظر إلى الظروف الحالية.

الوصول إلى القرائن أمر صعب للغاية في حالة استمرار الحرب

تقول مارتي فلاك، "من الواضح أن أي محاكمة جنائية تتطلب عددًا من الخطوات، بما في ذلك جمع الأدلة المادية، والاستماع إلى الشهود، وجمع المعلومات الأساسية والوثائق التي توضح الظروف التي وقعت فيها الجرائم ومحاولة القيام بذلك في سياق ما " وتضيف فلاك: " في حالة الحرب المستمرة فإن الوصول إلى القرائن جميعها يبدو أمرا صعبا للغاية ".

إذا أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين، فإن قدرته على السفر ستكون محدودة للغاية. وتقول مارتي فلاك: "إذا كان بوتين أو أي من قادته مطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية، فإن الأعضاء الـ 123 ضمن المعاهدة الخاصة بالمحكمة (نظام روما الأساسي) سيكونون ملزمين بتسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية".

عمليا، لكي يتم توجيه الاتهام لفلاديمير بوتين وغيره من كبار المسؤولين، يجب أن يكون هناك تغيير في النظام في روسيا. ففكرة اعتقال فلاديمير بوتين من قبل حكومته ضمن السياق الحالي هي ببساطة فكرة غير واردة.

كم تستغرق محاكمة رئيس دولة؟

إذا كانت هناك اتهامات من الدائرة الجنائية في المحكمة لـفلادييمير بوتين وهو باق في أعلى هرم السلطة في روسيا فإن المحاكمة ستجابه عراقيل "إجرائية" كبيرة للغاية. كما كان الحال مع رؤساء دول آخرين، تم توجيه التهم لهم بارتكاب جرائم حرب، ثم لم يمثلوا أمام المحكمة الجنائية الدولية لسنوات لأنهم كانوا يتخذون خطوات من أجل تجنّب الحضور الجسدي في المحكمة، التي لا تحاكم الأفراد غيابيا. وسواء تم توجيه الاتهام إلى فلاديمير بوتين وغيره من الشخصيات العسكرية والسياسية البارزة أم لا، فمن المرجح أن يستغرق الأمر سنوات للنظر في لوائح الاتهام المرتبطة بقضية "الجريمة".

تقول مارتي فلاك: "يمكن أن تستغرق محاكمات المحكمة الجنائية الدولية وقتًا طويلاً للغاية، فلا تزال القضية التي بدأت فيها المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في غزو روسيا لأوكرانيا عام 2014 مستمرة"، مضيفة: " نعلم أن المحاكمات التي بدأت في الأيام الأولى للمحكمة الجنائية الدولية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لا تزال مستمرة في بعض القضايا و لم تفصل في مقتضياتها دوائرها المختصة حتى اليوم".

أحالت أوكرانيا قضية الغزو الروسي لأوكرانيا إلى محكمة العدل الدولية، تلك المحكمة التابعة للأمم المتحدة والمختصة بفض النزاعات بين الدول، وهي تبحث الدعوى استنادا إلى "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1948. وتطالب أوكرانيا في الدعوى بتصنيف الهجوم الروسي كجريمة إبادة جماعية، ورفض ادعاء روسيا بتنفيذ القوات الأوكرانية إبادة جماعية ضد الأقلية الروسية.