استخدمت موسكو شبه جزيرة القرم لإطلاق غزوها الشامل لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، فيما استهدفتها كييف مرارا بهجمات مضادة.
قُتل خمسة من أفراد فرق الطوارئ في مدينة سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا، إثر انفجار وقع خلال تفقد موقع تعرض لهجوم أوكراني، وفق ما أفاد به حاكم المدينة المعيّن من موسكو، ميخائيل رازفوجاييف، الخميس.
وقال رازفوجاييف، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن القتلى هم أربعة خبراء متفجرات وحارس أمن، موضحاً أنهم كانوا يؤدون مهامهم في أعقاب الهجوم عندما انفجرت ذخيرة قال إنها تابعة للقوات الأوكرانية.
وشهدت سيفاستوبول، الواقعة جنوب غربي شبه الجزيرة والمطلة على البحر الأسود، انقطاعاً مؤقتاً للتيار الكهربائي في وقت مبكر من الخميس، عقب الهجوم.
وضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، بعد الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش خلال احتجاجات مؤيدة لأوروبا في كييف، ومنذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، استخدمت موسكو شبه الجزيرة قاعدة لوجستية وعسكرية مهمة، فيما كثفت كييف هجماتها على أهداف روسية فيها.
زيلينسكي: استعادة 745 كيلومتراً مربعاً
وفي تطور ميداني منفصل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية استعادت منذ بداية العام نحو 745 كيلومتراً مربعاً من الأراضي التي كانت تسيطر عليها القوات الروسية في قطاع أولكساندريفسكي، مؤكداً أن العملية نُفذت وفق خطة عسكرية محددة.
وقال زيلينسكي إن القوات الأوكرانية، بما في ذلك وحدات قوات الإنزال الجوي وتشكيلات أخرى، نفذت بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب عملية هجومية في القطاع، مدعياً أن الخسائر الروسية خلال هذه العمليات بلغت نحو 9550 قتيلاً وأكثر من 6600 جريح.
وأضاف أن العملية أسهمت أيضاً في تعزيز ما وصفه بـ"صندوق التبادل" الأوكراني، في إشارة إلى أسرى الحرب الروس الذين يمكن استخدامهم في عمليات تبادل مستقبلية مع أوكرانيين تحتجزهم روسيا.
ويمتد قطاع أولكساندريفسكي لنحو 60 كيلومتراً على طول الجبهة، ويشمل مناطق تلتقي فيها مقاطعات دنيبروبيتروفسك وزابوروجيا ودونيتسك.
وقال زيلينسكي إن القوات الأوكرانية استعادت السيطرة على 26 بلدة في المنطقة، بينما أفادت مجموعة "ديب ستيت"، التي تتابع تطورات خطوط القتال اعتماداً على مصادر مفتوحة، باستعادة القوات الأوكرانية 19 بلدة ودفع القوات الروسية إلى التراجع في ست مستوطنات أخرى.
تباطؤ التقدم الروسي على الجبهة
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقديرات عسكرية إلى تباطؤ وتيرة التقدم الروسي في عدد من قطاعات الجبهة خلال العام الحالي، رغم استمرار القوات الروسية في الضغط على مناطق عدة في دونيتسك شرقي أوكرانيا.
وتواصل موسكو الإعلان بصورة منتظمة عن السيطرة على قرى ومواقع جديدة، إلا أن مراقبين يقولون إن بعض هذه التوغلات تكون محدودة ومؤقتة، وقد تقتصر في بعض الحالات على وصول مجموعات صغيرة من القوات ورفع العلم الروسي في الموقع.
وفي تقييم منفصل، قال معهد دراسات الحرب، ومقره الولايات المتحدة، إن مصادر روسية على الإنترنت ربما تستخدم مقاطع فيديو جرى تحسينها أو التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الرواية القائلة بتحقيق القوات الروسية مكاسب ميدانية أكبر مما تشير إليه المعطيات المتاحة.
هجوم واسع على نوفوروسيسك
وفي روسيا، شنت أوكرانيا هجوماً واسع النطاق على مدينة نوفوروسيسك المطلة على البحر الأسود، استهدف قاعدة بحرية وبنية تحتية مرتبطة بقطاع الحبوب، وفق ما نقلته تقارير عن مسؤولين روس وأوكرانيين ومصادر في القطاع.
وقال زيلينسكي إن الهجوم استهدف سفناً حربية روسية، بينها فرقاطتان وسفينة إنزال كبيرة، إلى جانب سفن أخرى.
من جانبه، وصف جهاز الأمن الأوكراني الهجوم بأنه ذو "أهمية استراتيجية"، وقال إن القوات الأوكرانية استخدمت طائرات مسيرة وصواريخ لاستهداف القاعدة البحرية في نوفوروسيسك.
وفي المقابل، أعلن حاكم إقليم كراسنودار الروسي، فينيامين كوندراتيف، أن الهجمات أسفرت عن مقتل شخصين على الأقل، من بينهما طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات.
وأدت الهجمات، بحسب مسؤولين ومصادر في قطاع الحبوب، إلى تعليق العمليات في محطتين رئيسيتين لتخزين الحبوب في المنطقة، ما يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه البنية التحتية الاقتصادية والتجارية في محيط البحر الأسود.
نوفوروسيسك.. عقدة نفطية استراتيجية
تكتسب نوفوروسيسك أهمية استراتيجية تتجاوز وجود القاعدة البحرية الروسية فيها، إذ تضم المدينة ومنطقتها منشآت حيوية لتصدير النفط، من بينها البنية المرتبطة بخط أنابيب بحر قزوين الذي ينقل كميات كبيرة من النفط الكازاخستاني إلى الأسواق العالمية، ويشارك في هذا الخط عدد من الشركات الدولية، بينها شركتا الطاقة الأميركيتان شيفرون وإكسون موبيل اللتان تمتلكان حصصاً فيه، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة ذا تأثير مباشر على إمدادات الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة "فايننشال تايمز"، بأن أوكرانيا وافقت، بناءً على طلب من نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، على عدم استهداف منشآت خط أنابيب بحر قزوين والسفن غير الروسية، ما دامت لا تخضع لعقوبات أوكرانية ولا تحمل نفطاً روسياً أو شحنات أخرى مرتبطة بروسيا.
وتعكس الهجمات الأخيرة اتساع نطاق المواجهة بين موسكو وكييف، من خطوط التماس البرية إلى القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، في وقت تسعى فيه أوكرانيا إلى إظهار قدرتها على استعادة مواقع ميدانية وشن ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، بينما تواصل موسكو عملياتها العسكرية ومحاولاتها لتحقيق مكاسب على امتداد الجبهة.