تُعدّ الهجمات الأمريكية على إيران الأولى منذ نحو شهر، بعدما أعلنت إدارة ترامب خلال الفترة الماضية انتقالها من الضربات العسكرية إلى "الحرب الاقتصادية" ضد طهران.
يخيّم التوتر على المنطقة مع بلوغ التصعيد العسكري أوجه منذ الهدنة الموقعة بين واشنطن وطهران في حزيران/ يونيو الماضي، حيث قصف الجيش الأمريكي، في وقت متأخر من الأحد، الأراضي الإيرانية، مما استدعى ردًا واسع النطاق من طهران، دوّت على إثره صافرات الإنذار في الأردن والإمارات.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أرفقه بمقطع فيديو تم إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي، إن مركز الطاقة الإيراني في جزيرة خرج "يُفجَّر إلى قطع صغيرة".
ولم تظهر أي أدلة على أن هذا الموقع كان تحت الهجوم، كما لم تعلّق وسائل الإعلام الإيرانية على كلام الرئيس الأمريكي أو تشر إلى الجزيرة، خاصة وأن مهاجمتها، لكونها تُعالج 90% من صادرات النفط، من شأنه أن يعطل تجارة الطاقة في البلاد.
وفي حديثه لشبكة "فوكس نيوز"، صرّح الزعيم الجمهوري أن "بمجرد أن ننتصر في الحرب ستكون لدينا سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز" وأن جيشه أزال جميع الألغام في الممر الحيوي، وأشار إلى ان إيران قد تمتلك سلاحًا نوويا، ويجب ردعها عن ذلك.
كما هدد كوريا الجنوبية، على خلفية رفضها المشاركة في الحرب، بإعادة النظر في الالتزامات الأمنية والوجود العسكري الأمريكي في البلاد.
وقال إن سيول رفضت مساعدة الولايات المتحدة في حربها ضد طهران، مضيفًا: "عندما لا يكونون مستعدين لفعل أي شيء من أجلك، لا يمكنك أن تكون أحمقًا وتساعدهم".
في غضون ذلك، أكدت إيران أن أمريكا هاجمت راجمتي صواريخ في جزيرة لارك، الواقعة على بُعد نحو 660 كيلومترًا شرق خرج، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
وردًا على ذلك، أسقطت الجمهورية الإسلامية مسيرة أمريكية من طراز إم كيو 9 في أجواء مضيق هرمز كما هاجمت قاعدتي الملك حسين والأزرق الجويتين في الأردن، حيث أعلن الجيش الأردني إنه اعترض 8 صواريخ اخترقت مجاله الجوي، ونفى وقوع أضرار كبيرة.
إلى جانب ذلك، أكد الحرس الثوري أنه "استهدف بعشرات المسيّرات مواقع تمركز مروحيات وقوات أميركية في قاعدة المنهاد في الإمارات العربية المتحدة"، لكن أبو ظبي نفت ذلك.
وأضافت في بيان على منصة "إكس": "تنفي وزارة الدفاع الإماراتية ما يتم تداوله حول استهداف قاعدة المنهاد الجوية وتؤكد بأنها على أهبة الاستعداد والجاهزية للتعامل مع أي تهديدات إن طرأت".
وأدانت الخارجية الإيرانية الهجوم الأمريكي، واعتبرته "انتهاكًا للسيادة الوطنية"، وأكدت أن قواتها المسلحة وجهت ضربات "دفاعية ساحقة" للقواعد الأمريكية في الأردن، التي "كانت منطلقًا للعدوان على البلاد".
وشددت على أن العامل الوحيد الذي جعل هرمز غير آمن هو "الممارسات العدوانية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، محذرة من أن قواتها سترد بحزم على أي عدوان، وأن تبعات الإجراءات الأمريكية واستمرار الحصار تقع على عاتق واشنطن وكل متواطئ معها" حسب تعبيرها.
من جانبها، قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها نفذت إجراءً "محدودًا ودقيقًا" ضد قوات تابعة للحرس الثوري كانت تزرع ألغامًا في مضيق هرمز، وشكلت تهديدًا وشيكًا، دون تقديم تفاصيل إضافية.
وصرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لوكالة "رويترز" يوم الأحد أنه من المرجح الكشف عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعيًا في إطار الضغط على إيران، مع تركيز مبدئي على البنوك. وأضاف بيسنت في مقابلة: "نبدأ بالبنوك، ونقول للبنوك إنه ليس من المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية أو أن تساعد النظام"
مضيق هرمز في قلب المواجهة
تأتي هذه التطورات بعد أن دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران شهرها السادس، وفي وقت كانت فيه حدة الأعمال القتالية تتراجع نسبيا.
ففي الأسابيع الأخيرة، فضّل الرئيس الأمريكي وإدارته "الحرب الاقتصادية" على الضربات العسكرية المباشرة، تحت ضغط داخلي وخارجي متزايد لإنهاء الحملة العسكرية التي كان يفترض أن تكون قصيرة لكنها امتدت لأشهر من دون أفق واضح.
وقد أغلقت طهران فعليا مضيق هرمز، بعد أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل الشرارة الأولى للحرب في 28 شباط/فبراير. وقال الكابتن في البحرية الأمريكية تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية: "أكملت القيادة المركزية الأسبوع الماضي إزالة الألغام البحرية من مسارات الشحن الدولية في المضيق"، مضيفا: "تراقب القوات الأمريكية المنطقة عن كثب وتبقى مستعدة لحماية حرية تدفق التجارة عبر هذا الممر المائي الحيوي".
جهود وساطة وتعثر مسار السلام
وتقود باكستان وقطر ودول أخرى جهود وساطة دبلوماسية منذ أشهر لوضع حد للحرب، إلا أن هذه المساعي لا تزال تصطدم بعقبات كبيرة. فمع أن اتفاقا على وقف لإطلاق النار أبرم في نيسان/أبريل، وتبِعَه في حزيران/يونيو توقيع مذكرة تفاهم تمهيدا لاتفاق سلام نهائي، لم يُتوصل حتى الآن إلى صيغة ملزمة.
وتفرض الولايات المتحدة حصارا بحريا مضادا على الموانئ الإيرانية، ما يقلّص إمدادات البنزين في البلاد في ظل نقص الإنتاج المحلي، مع تشديد الضغط على الاقتصاد الإيراني. وقد أنهى وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل أعنف مراحل القتال، لكن الهجمات المتفرقة، خصوصا في محيط مضيق هرمز، قلّصت فرص التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
اتساع رقعة الحرب وتداعياتها الاقتصادية
وكانت آخر ضربة أمريكية على إيران قد وقعت قبل هجمات الأحد قد نُفذت في 29 تموز/يوليو، ردا على "محاولة هجوم مباغت على القوات الأمريكية" في المنطقة، بحسب الجيش الأمريكي، فيما شنّت القيادة المركزية في وقت سابق من الشهر نفسه ضربات على إيران طيلة 13 ليلة متتالية.
وخلال مجريات الحرب، ردت طهران باستهداف منشآت أمريكية وحلفاء واشنطن في منطقة الخليج، فأصابت أهدافا في قطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين والكويت وسلطنة عمان وغيرها، ما أدخل جزءا كبيرا من المنطقة في أتون النزاع. وأدى إغلاق إيران للممر البحري الاستراتيجي إلى إلحاق أذى اقتصادي واسع حول العالم، تجلّى في أزمات لوجستية واضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار ونقص في الأسمدة والطاقة.
وارتفعت أسعار النفط بعد الأنباء عن تجدد الضربات الأمريكية على إيران، إذ صعد خام برنت، وهو المعيار المرجعي الدولي، فوق العتبة الرمزية البالغة 90 دولارا للبرميل لأول مرة منذ شهر، بعدما تجاوزت الأسعار خلال ذروة القتال مستوى 120 دولارا للبرميل لأول مرة منذ عقود.