تستعد تركيا والسعودية وباكستان لعقد أول اجتماع للجنة المنبثقة عن "اتفاق مكة للدفاع المشترك" في إسطنبول، الاثنين، بحضور كبار المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين في الدول الثلاث.
سيشارك في الاجتماع وزراء الخارجية والدفاع، إلى جانب رؤساء أركان الدول الثلاث، وفق مصدر في وزارة الخارجية التركية تحدث إلى صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية.
وبحسب المصدر التركي، ستتناول المباحثات سبل تعزيز القدرات الدفاعية للدول الثلاث، ورفع مستوى قابلية التشغيل المشترك بين قواتها المسلحة، فضلاً عن توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية، بما يشمل الإنتاج والتطوير المشتركين.
ويأتي الاجتماع في وقت تواجه فيه المنطقة تحولات أمنية متسارعة، لا سيما مع استمرار الحرب مع إيران وإطلاق صواريخ إيرانية باتجاه دول خليجية مصدّرة للنفط، ما يضع مسألة تعزيز القدرات الدفاعية والردع المشترك في صدارة أولويات الدول الثلاث.
ويمثل توقيع السعودية وتركيا وباكستان الاتفاق خطوة جديدة نحو بناء إطار أمني يجمع قوة عربية وخليجية محورية، ودولة إقليمية تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً كبيراً، إلى جانب قوة نووية رئيسية في جنوب آسيا.
ردع جماعي وتعاون عسكري
يقوم "اتفاق مكة للدفاع المشترك" على مبدأ الردع الجماعي في مواجهة أي اعتداء، إذ ينص على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، في صيغة تقترب من مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وتحظى الشراكة بأهمية إضافية بالنظر إلى القدرات العسكرية التي تمتلكها أطرافها؛ فتركيا تملك ثاني أكبر جيش في "الناتو"، بينما تعد السعودية أكبر مصدر للنفط، في حين تمثل باكستان القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، ما يمنح أي تنسيق عسكري بينها وزناً استراتيجياً يتجاوز النطاق الجغرافي للدول الثلاث.
ويمثل الاتفاق كذلك امتداداً لمسار متنام من التعاون الدفاعي بين الرياض وإسلام آباد، بعدما أعلن البلدان العام الماضي اتفاقية للدفاع المشترك أثارت اهتماماً واسعاً، خصوصاً في ضوء القدرات النووية الباكستانية وما قد تضيفه إلى معادلات الردع والأمن السعودي.
تحالف مفتوح أمام التوسع
رغم تأكيد الدول الثلاث أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها، فإن أنقرة أعلنت أن الباب مفتوح أمام انضمام دول أخرى، مع طرح مصر كمرشح محتمل.
لكن احتمال توسيع الاتفاق يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الشكل الذي قد يتخذه مستقبلاً، وما إذا كان سيبقى ترتيباً أمنياً ثلاثياً أم يتحول تدريجياً إلى تحالف أوسع يمتد جغرافياً من شرق البحر المتوسط مروراً بالخليج وصولاً إلى المحيط الهندي وجنوب آسيا.
ولا يعني اجتماع الدول الثلاث تحت مظلة دفاعية واحدة تطابق حساباتها الاستراتيجية، فبحسب قراءات محللين إيرانيين، تسعى الرياض إلى تنويع ركائز أمنها في مواجهة التحديات المرتبطة بالنفوذ الإيراني، بينما تنظر أنقرة إلى الشراكة باعتبارها وسيلة لتعزيز التوازن الإقليمي والحد من الثقل الإسرائيلي، في حين تظل المواجهة مع الهند عاملاً محورياً في الحسابات الأمنية لإسلام آباد.
شبكة أمان جديدة للسعودية
بالنسبة إلى الرياض، يضيف الاتفاق طبقة جديدة من الحماية إلى شراكتها الأمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، في ظل تنامي التساؤلات الإقليمية بشأن مدى إمكان استمرار الاعتماد على واشنطن باعتبارها الضامن الرئيسي لأمن حلفائها في منطقة الخليج الغنية بالنفط.
كما يوفر الإطار الثلاثي للسعودية فرصة لتعزيز قدرات الردع وبناء مظلة أوسع للتنسيق العسكري في مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة، بالتزامن مع توسع نطاق التحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، وفي وقت تشهد فيه العلاقات بين الرياض وأبوظبي توترات متزايدة.
وبينما لا يزال الاتفاق في بداياته، سيشكل اجتماع إسطنبول مؤشراً أولياً إلى مدى استعداد الدول الثلاث لتحويل بنوده إلى آليات تعاون عسكري ملموسة. كما ستتجه الأنظار إلى الخطوات اللاحقة، ولا سيما احتمال انضمام دول أخرى، وهو ما قد ينقل "اتفاق مكة" من شراكة دفاعية ثلاثية إلى إطار أمني أوسع قادر على التأثير في موازين القوى الإقليمية.