عاجل

عاجل

لماذا غابت الأقليات عن مظاهرات السترات الصفراء ؟

 محادثة
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

بقلم: د. نزار بدران

تعم فرنسا حاليا وخصوصا باريس مظاهرات غضب قوية تزيد حدتها وعنفها كل يوم سبت منذ شهرين. السترات الصفراء تجمع تحت لونها كل طوائف الشعب الفرنسي فنجد المتظاهرين من كل الأعمار. من المتقاعدين الذي يحتلون نقاط تقاطع الطرق وبعض الساحات العامة إلى طلاب المداري والجامعات الذي يغلقون مدارسهم وكلياتهم.

نرى أيضا كل الشرائح المهنية، فهناك العمال والفلاحون، ، القادمون من مصانعهم ومزارعهم وموظفو الإدارات، وسائقو سيارات الإسعاف وغيرهم كثُر.

ما لا يراه المتظاهرون، هو ما يُسمى هنا بالأقليات المرئية، أي أبناء الجاليات الأجنبية، من أفارقة سود أو عرب معروفون من لون بشرتهم وملامحهم، أين هم إذن أبناء الضواحي الذين كانوا وقودا لحركات احتجاجية عديدة، مثلما حدث بباريس عام 2005 ،زمن حكومة دوفلبان، احتجاجا على قوانين العمل الجديدة؟ ولماذا لا يشاركون وهم يحملون الجنسية الفرنسية ويعيشون ظروفا اجتماعية صعبة؟

ما أسباب ابتعاد أبناء الضواحي عن حراك السترات الصفراء

المراقب لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا الفيس بوك يرى أن ابتعاد هؤلاء، كان برأي أبناء هذه الجاليات لسببين، الأول هو أن المطالب التي رفعت بالبداية، كانت تتمحور فقط حول زيادة الضرائب على مشتقات على البترول، وهو ما حرّك كل ذوي المهن، التي تحتاج استعمال السيارات والشاحنات، أو الأدوات الزراعية كالجرارات والحاصدات، أو سائقو التكسي، وسيارات الإسعاف. في نفس الوقت وبسبب البطالة التي تتفشى بين أبناء الجاليات المعنية، فإن هؤلاء لم يصلوا بعد لهذه المهن، ومعظمهم يستعمل لعمله، إن وجده، وسائط النقل العام مثل القطارات، لذلك لم يشعروا كثيرا بتأثير هذه الزيادات عليهم.

السبب الثاني، هو الصبغة اليمينية واليمينية المتطرفة، التي طغت على هذا الحراك الأصفر، وما حمله من تظاهرات لمجموعات فرنسية عنصرية. لم يُرد أبناء الجاليات الأجنبية، أن يُقحموا أنفسهم فيها، فهم دوماً متهمون بالوقوف وراء أعمال العنف والتخريب. فلو أنهم شاركوا، ولو جزئياً بهذه المظاهرات العنيفة، لكان الإعلام حولهم إلى كبش الفداء، واتهمهم كالعادة بالأعمال التخريبية المُشينة، من حرق للسيارات وتكسير ونهب للمحال التجارية.

هل هو فعلا عدم اكتراث ولا مبالاة؟

ولكن من وجهة نظر بعض المتظاهرين الفرنسيين، فإن عدم مشاركة أبناء أقليات الضواحي، هو دليل عدم اهتمامهم بالشأن العام، وعدم انتمائهم حقيقة لفرنسا، وهو طبعاً ما يزيد من تهميش هذه الأقليات، ويؤكد أُطروحات اليمين العنصرية. وقد رأينا ذلك بعد اعتداءات شارلي إيبدو عام 2015 التي نفذها عناصر محسوبون على تنظيم داعش. فمن بين ملايين المتظاهرين في ساحة الجمهورية بباريس، أو بالمظاهرات بالمُدن الأخرى، كان التواجد العربي الإسلامي، الظاهر للعيان، يكادُ يكون غائباً تماماً، وكأن الجالية حمّلت نفسها مسؤولية هذه الأعمال الإرهابية، بينما كان المنطق يدعوهم، للمشاركة بقوة للنأي بأنفسهم عن التهم الجاهزة، ولإظهار تضامنهم كباقي شرائح الشعب مع الضحايا.

هل الحل في الابتعاد؟

أبناء الجاليات العربية والافريقية الأخرى، لن يستطيعوا أن يبقوا كثيراً، خارج إطار العمل التظاهري الحالي، فمطالب المتظاهرين قد تطورت، ولم تعد محصورة على رفع الضرائب على مادة معينة، بل تعدته إلى المطالبة بإجراءات اجتماعية ضد البطالة والتهميش وغيره وحتى بإسقاط الرئيس، وهو ما يُعبر أيضاً، بالنسبة لهؤلاء، عن أوضاعهم وهمومهم الخاصة .

حراك لا لون له

من ناحية أخرى، لم يستطيع اليمين، أو اليمين المتطرف، السيطرة على الحراك، بل وصل للساحة مجموعات يسارية ومن المجتمع المدني، بعيدة عن العنصرية، بل تعاديه، وتقف دوماً مع مطالب وحقوق الأقليات، بالإضافة لبدء قيادات المعارضة اليمينية التقليدية، بالتراجع تدريجياً عن دعمها لمطالب المتظاهرين الاجتماعية والتي تتناقض مع مواقفهم وبرامجهم السياسية.

سنرى إذاً قريباً، عودة شباب وشابات الأقليات المذكورة للساحة، جنباً إلى جنب مع بقية شرائح المجتمع الفرنسي، على الأقل هذا ما نأمله، حتى لا نبقى دائماً مهمشين، ونرى في الآخر مجرد كائن تحرّكه مشاعرعنصرية مقيتة، فنحن كلنا بهذه البلاد، مواطنون متساوون.

للكاتب

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

السودان والربيع العربي الثاني.. أين الغرب؟

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟

د. نزار بدران - كاتب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز