عاجل

عاجل

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

 محادثة
تقرأ الآن:

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

فرنسا.. السترات الصفراء  ورأس المال المُعوْلم
حجم النص Aa Aa

بقلم د. نزار بدران - مراقب ومحلل سياسي

تجتاح فرنسا حالياً موجة احتجاجية تسمى، السترات الصفراء، انطلقت بعد رفع الحكومة الضرائب على مشتقات البترول. هذه الحركة التي ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل حوالي عشرة أيام، أخذت حجماً وأبعاداً، دَفعَ السلطات إلى محاولة احتوائها، والصحفيين إلى وضعها على قائمة اهتماماتهم وأخبارهم وتحاليلهم.

تأخذ الحركة الاحتجاجية الفرنسية، أبعاداً جديدة، مضيفة مطالب اجتماعية وفي مجال العمل، فهي لم تعد مرتبطة فقط بالضرائب على مشتقات البترول، وهذا ما وضع سياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على المِحك، من منظار شعبيته ونجاعة الحلول التي يطرحها.

بدأت الحركة بزخمها المُستمر، وشعبيتها المُتزايدة، تُشبه إلى حدٍ بعيد، الحركات الاحتجاجية الأخرى، التي عمّت دول عديدة بالعالم، مثل إيطاليا وإسبانيا وأمريكا وما قبلها العالم العربي. هي حقيقة حركة تُعبر عن شعورعميق عند الناس بالظلم الاجتماعي، فالتفاوت الواسع بين تضخم رأس المال العالمي، وفُحش غنى الأثرياء ورجال الأعمال ومُدراء الشركات الكبيرة، كما تُذكرنا بها قضية كارلوس غصن، رئيس شركة رونو، يُقابله ضعف بتطور المعاشات عند الطبقات الوسطى، والطبقات العاملة والمتقاعدين.

هذه الظاهرة، والتي تسمى العولمة، لا تحمل من العالم إلا جزءها المالي، وحده رأس المال والبضائع وحريتهما بالحركة والربح من تعولم، بينما المواطنون والناس العاديون، خصوصاً بالعالم الثالث، حُظر عليهم عولمة الحركة والتنقل والبحث عن عمل أو حياة جديدة، مثال ذلك قوافل المهاجرين المارين بالمكسيك نحو أمريكا، رغم إغلاقها الأبواب، أو عشرات الآلاف الذين يموتون غرقاً في البحر المتوسط، في محاولة الوصول إلى أوروبا.

التناقض الكبير بين حرية رأس المال بالربح من جهة، وانعدام الفائدة للطبقات الفقيرة، بفرنسا والعالم الغربي بشكل عام، هو ما أودى بالأحزاب السياسية التقليدية إلى الهاوية، والتي لم يعد يسمعها أحد، فهي بأحسن الأحوال فاشلة، بمواجهة هذه التحولات، وبأسوأها متواطئة مع رأس المال والعولمة الجشعة.

ظهور الحراك الجديد في فرنسا، ومن قبله حركة الخمس نجوم في إيطاليا، أو بوديموسفي إسبانيا وغيرها، ووصولها للسلطة في بعض الأحيان، هو ما يُخيف الأحزاب التقليدية الفرنسية، وإمكانية ألا يكتفي الفرنسيون بانتخاب ماكرون من خارج الأُطر الفرنسية التقليدية، بل إلى استمرار الموجة، نحو تغيرات جذرية بالبُنية السياسية الفرنسية، قد يكون الرئيس ماكرون ضحية لها، بعد أن كان من أوائل المستفيدين من وجودها.

لن يستطيع أي رئيس فرنسي، أن يحل إشكاليات البلاد الاقتصادية، دون البدء بإعادة النظر بقواعد العولمة، نحن بحاجة إلى وضع حدود لحرية رأس المال، وتسلط قوانين السوق، في حياة الناس، أي عودة نوع من الرقابة السياسية على الاقتصادية، وهذا لن يتم إلا عن طريق اتفاقيات دولية، فمارد العولمة الرأسمالي، ليس له حدود، ولا يمكن تحجيمه وإعادته للقمقم في بلد واحد مهما كان غنياً.

نحن بحاجة أيضاً إلى فتح تلك العولمة على المكونات الاجتماعية بكل دول العالم، من حرية التنقل والسفر والعمل والهجرة، وإزالة الحواجز الحدودية للناس، وليس فقط للبضائع ورأس المال. بسبب ذلك، فهذه الحكومات لن تستطيع حالياً فعل شيء، وحدها الحركات الاجتماعية القوية، وتأصل عمل المجتمعات المدنية وتضامنها، من قد يسمح لهذه الحكومات بالتجرؤ على ذلك.

نحن بحاجة إلى احترام عمل وإنتاج الدول الفقيرة، والتي تزداد فقراً بسبب قوانين التجارة العالمية الحرة، وإعطاء هذه الدول، فرص التنمية الداخلية، ومساعدتها بالتحول الديمقراطي، والقضاء على الفساد المالي والإداري، حتى تتمكن من إعطاء فرص عمل لشبابها، بدل بحثهم عن الهجرة.

نحن بحاجة إلى تعاون دول العالم وشعوبها، لإرساء قواعد اقتصادية سليمة، تحترم حقوق جميع الدول والشعوب، وليس قانون الغاب الرأسمالي. هذه كلها تمنيات، لن تحدث قريباً، لكننا لن نصل إلى شيء من دون حمل بعض الأحلام، ليدفعنا إلى العمل. ومن يدري.. فقد يكون لابسو الستر الصفراء، يحملون جزءاً من تلك الأحلام الوردية.

الكاتب د. نزار بدران - مراقب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز