عاجل

عاجل

"أطفال الثورة الإيرانية" بعد أربعين عاماً...هذا مآلهم

 محادثة
"أطفال الثورة الإيرانية" بعد أربعين عاماً...هذا مآلهم
حجم النص Aa Aa

قد يبدو مشهد الدولة الإيرانية بين عامي 1979 و2019، ومع إتمام رابع عقود الثورة الإسلامية التي أطاحت بحكم الشاه محمد رضا بهلوي، متجهاً أكثر فأكثر إلى حالة من التوازنات الهشة.

بحسب وكالة أسوشييتد برس، ثمة رغبة وليدة لدى الشباب الإيراني في التخلص من موروثات حياتية مفروضة، والانطلاق نحو متطلبات حياة حديثة وأكثر حرية وانفتاحاً.

وبموازاة ذلك، هناك محاولات دائمة من قبل قيادات النظام الإيراني الاستمرار بإمساك زمام الأمور مخافة فلتانها، مطلقة بين الحين والآخر خطوات إصلاحية خجولة، في محاولة لإرضاء تلك الشرائح العمرية دون الـ 30 عاماً التي تقدر بنحو 60% من مجمل السكان البالغ تعداده نحو 80 مليون نسمة.

فأولئك الشباب أو "أطفال الثورة" كما يطلق عليهم، وُلدوا بعد احتجاجات آبائهم على شاه إيران عام 1979، وعايشوا السنوات الصعبة من العزلة التي قادتها الولايات المتحدة، وسنوات أخرى طويلة قاسية وحرب دموية في حرب ضد الجار العراقي.

حفلات في الخفاء رغم التشدد في العلن

نقلت وكالة أنباء فارس تصريحات نائب وزير الصحة الإيراني لشؤون الدراسات والتكنولوجيا "رضا ملك زاده" قال فيها إن إيران أكثر دول العالم استهلاكاً للأفيون".

كما ذكر المتحدث باسم مركز مكافحة المخدرات في إيران برويز أفشار أن نحو ثلاثة ملايين شخص يتعاطون المخدرات، وأن 2.6 في المئة من الطلاب لديهم تجربة مع تعاطيها، مشيراً إلى تقديرات الأمم المتحدة، بأن ثلث المخدرات المنتجة في أفغانستان تمر أو تستهلك داخل إيران.

مع تزايد عدد مدمني المخدرات في إيران أكثر من الضعف في السنوات الست الأخيرة، حسبما ذكرت وسائل إعلام إيرانية.

وقبل أيام أعلن قائد قوات التعبئة (الباسيج) في منطقة لواسان شمال العاصمة الإيرانية طهران، نويد شكوهي، اعتقال 50 شاباً وفتاة في حفلة مختلطة مشيراً إلى ضبط 400 زجاجة من الخمور والمشروبات الكحولية الأخرى.

وفي 22 كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، اعتقلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إيران 230 من الشباب والفتيات، في حفلتين مختلطتين في منطقتي لواسان وفرمانيه شمال طهران، كما أغلقت الشرطة نحو 20 محل بقالة في العاصمة بسبب بيعها المشروبات الكحولية. ونقلت صحف إيرانية عن رئيس الهيئة العقيد ذو الفقار برفار أنه "تم اعتقال 140 شخصا بينما كانوا يرقصون ويشربون الكحول في أحد منازل لواسان"، التي تبعد 30 كلم غرب طهران "كما اعتقل 90 شخصاً في أحد منازل حي فرمانيه الراقي في شمال طهران".

بعد وصول حسن روحاني للرئاسة قلّت كثيراً حالات تدخل الشرطة بتلك الحفلات الخاصة، وبات نوعاً من العُرف القانوني أن يُترك الناس لما شاؤوا أن يفعلوه ما داموا بين أربعة جدران.

وكمؤشر من بين مؤشرات كثيرة على عمق الحالة رعم إخفائها وتلافي الحديث عنها رسمياُ، تم في أيلول (سبتمبر) 2016 افتتاح أول مركز للتعافي من إدمان الكحول بترخيص رسمي ودون ضجيج إعلامي، في بلد يعاني منه نحو ربع مليون إنسان من إدمان الخمور، فيما يعد الإيرانيون ثاني أكثر شعب إدماناً للأفيون في العالم، حسبما نشر موقع ncbi (الصحيفة الطبية للجمهورية الإسلامية) ويتجاوز عدد مدمني المخدرات بكافة أنواعها مليوني مواطن.

أهداف الثورة بعيدة المنال

بالنسبة لكثيرين، لا تزال أهداف الثورة الإيرانية بعيدة المنال.

ويقول فرزاد فرحاني، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاماً: "كان لدينا بعض الأهداف ومازلنا نعتقد أن هذه الأهداف كانت صحيحة".

"كان لدينا مطالب ومازلنا نعتقد أن هذه المطالب كانت عادلة، لكن الثورة فشلت في تحقيق مطالبنا بشكل كامل".

وقد وعد قادة الثورة الشعب بحصة من مبيعات النفط المربحة في إيران، لكن الأمر لم يتحقق وزادت الأوضاع الاقتصادية تدهوراً في دولة من أغنى بلدان العالم بإنتاجها النفطي.

وقالت كيميا زاكري وهي طالبة تبلغ من العمر 20 عاماً "الوضع الاقتصادي سيء للغاية. ذهب والدي الى الحرب وأصيب في العمل وكان مستعدا للتضحية بحياته وكان يحب الإمام (آية الله روح الله الخميني)".

وأضافت "حتى الآن، عندما نتحدث، لا يريد أن يقبل الواقع والوضع السيئ".

"والداي غير سعداء للغاية. يعتقدون أن الوضع الاقتصادي كان ينبغي أن يكون أفضل بكثير. معتقدات الناس هي أقل من أي وقت مضى".

تطور التعليم ولكن!

منذ سقوط الشاه، كانت هناك تغييرات إيجابية في البلاد على صعيد التعليم، إذ وعلى سبيل المثال يمكن اليوم لكل الإيرانيين تقريباً القراءة، مقارنة بـ 47 في المائة فقط عام 1976، وفقاً لإحصاءات حكومية في ذلك الوقت. لكن الالتحاق بالمدارس والكليات مرتفع أكثر من قدرة الاستيعاب، كما يتضح من حشود الشباب في الشوارع القريبة من جامعة طهران.

ومن ناحية موازية فإن واحداً من بين كل أربعة أشخاص لا يستطيع العثور على عمل، وفقاً لصندوق النقد الدولي، وسط معدلات بطالة تبلغ 11 في المائة بشكل عام.

فيما أولئك الذين يجدون وظائف غالباً ما يتخذون أعمالاً دون إمكاناتهم، مثل الذين يحملون شهادة الدكتوراه في قيادة سيارات الأجرة!

الهجرة بحثاً عن التعليم والعمل

روجت المؤسسات الإيرانية بتوجيه من الخميني لزيادة الإنجاب، وزاد التعداد الإيراني في أول عشر سنوات بعد الثورة بنسبة 50% في قفزة سكانية هي الأكبر في تاريخ إيران الحديث، من 37 إلى 53 مليون نسمة تقريباً.

بيد أن ذلك الانفجار السكاني سرعان ما واجه الجمهورية بإشكالية كبيرة، في عجز الاقتصاد ومؤسسات الدولة على استيعاب الأعداد الهائلة من الشباب، وهو ما دفع بنفس النظام في أواخر الثمانينيات إلى التوقف عن الترويج للإنجاب.

وهبط النمو السكاني خلال السنوات العشر التالية إلى 20% فقط، لكن جيلاً كاملاً وُلِد في مطلع الثمانينيات ظل يشكل تحدياً سواء من حيث عدم توافر إمكانية استيعابهم في الجامعات الإيرانية، أو من نتيجة البطالة وعجز السوق عن توظيف الملايين منهم.

فضلاً عن أثر العقوبات القاسية أصلاً على النظام الإيراني، وهو ما يدفع الآلاف منهم للهجرة للخارج بحثاً عن فرص العمل أو آفاق للتعليم.

مانيا فيلوم، طالبة تبلغ من العمر 27 عاماً، تقول إن الثورة أنتجت الإيرانيين الأكثر تعليماً، لكن الآن هي وصديقاتها عازمن على المغادرة إذا كانت هناك فرصة في الخارج.

وتضيف فيلوم "الجميع يخططون للفوز بأموال للحصول على شهادة الدكتوراه وترك إيران".

"أولئك الذين يقيمون، لأن لديهم أباؤهم الأغنياء، أو الآباء الذين يمتلكون المصانع أو الوظائف الجيدة. يمكن أن يكون لديهم وظيفة ويكون لديهم وضع مستقر".

تفاؤل لم يدم

في عام 2015 كان هناك شعور ببعض التفاؤل في أعقاب نجاح إيران في عقد الاتفاق النووي الذي حددت فيه تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات. لكن هذا الأمل عاد ليتلاشى في أعقاب انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق، وموقف الرئيس دونالد ترامب المتشدد من دور إيران المتنامي في المنطقة وبرنامج الصواريخ الباليستية.

ويلقي شايان مومني، وهو طالب في طب الأسنان يبلغ من العمر 27 عاماً، باللائمة في مشاكل إيران الحالية على الولايات المتحدة.

وقال "في الغالب لا علاقة له بالثورة. معظمها هو استعراض العضلات في أمريكا".

ويكرر محمد أهادي الخارج من أحد مساجد طهران -حيث كان يصلي للتو- آراء القيادة الدينية في بلاده وكان واضحاً تأثره بخطابات قادة الثورة ليقول: "قبل فترة الأربعين عاماً لم يكن للناس أي رأي".

حتى مع العقوبات الاقتصادية، فإنه يرى تحدياً يجلب الاستقلال، وهذا "يستحق كل هذا العناء"!.

وأضاف أهادي "نعم، أمريكا أمامنا، لأنها بدأت العمل قبل 300 عام، لكن ثورتنا بدأت قبل 40 عاماً فقط".

"لو لم تحدث الثورة، لكانت الآن في وضع مثل المملكة العربية السعودية. ... حياتنا كلها حتى تنفسنا تعتمد على أمريكا".

"أمريكا تحب الهيمنة على الشرق الأوسط، لكنها لا تستطيع تحقيق ذلك. والآن تكافح من أجل وضعنا على ركبنا، لكنها لم تنجح".

لم توافق فليوم، على ذلك. وقالت: "كان يمكن لليابان أن تقطع علاقاتها مع أميركا إلى الأبد بعد هيروشيما، وكان بإمكانها الاستمرار في قول" الموت لأميركا "حتى الآن، لكنها حافظت على علاقاتها، وتتمتع بالمزايا، وهذا ساعد بشكل كبير على إحراز تقدم".

"لكن إيران ليست كذلك. فهي لا تزال تصر على أن أمريكا سيئة، إنها عدونا. بريطانيا سيئة، إنها عدونا". سألت: "هذا هو الاستقلال بأي ثمن؟ على حساب حياتنا تزداد سوءاً؟".

للمزيد على يورونيوز: