عاجل

عاجل

"يورونيوز" في حوار مع مديرة المتحف اليهودي ببروكسل عن "معاداة السامية" وأسباب ارتفاع معدّلاتها

 محادثة
"يورونيوز" في حوار مع مديرة المتحف اليهودي ببروكسل عن "معاداة السامية" وأسباب ارتفاع معدّلاتها
حجم النص Aa Aa

نشرت الحكومة الفرنسية مؤخراً تقريراً يتضمّن إحصائيات تشير إلى حدوث ما يقرب من 500 اعتداء يندرج في إطار معاداة السامية خلال العام الماضي، وذلك بزيادة تقدّر بـ74 بالمائة مقارنة مع العام 2017.

وللوقوف على أسباب هذا التصعيد في معاداة السامية، التقت "يورونيوز" مع مديرة المتحف اليهودي في العاصمة البلجيكية بروكسل د. باسكال الهادف الحاصلة على شهادة الدكتوراه في التاريخ الأوروبي والحضارة من معهد الجامعة الأوروبية، فلورنسا.

وفيما يلي نصّ اللقاء مع د. باسكال والتي شغلت في السابق منصب مديرة المشاريع البحثية في أرشيف الدولة البلجيكي.

  • برأيك، د. باسكال، التصعيد في معاداة السامية يزداد حدّة في فرنسا على وجه الخصوص، أم أن ربما هناك موجّة تغمر دول التكتل الأوروبي، ما هي خصوصية فرنسا في هذا السياق؟

ما برحت نزعة معاداة السامية تنتشر في كافة دول الاتحاد الأوروبي، وأصبحت ظاهرة تثير القلق، وهذه الظاهرة، كما أشرت، لا تقتصر فقط على فرنسا، وإن كان زاد انتشارها خلال الأونة الأخيرة وذلك في غمرة الاحتجاجات الاجتماعية التي تشهدها تلك البلاد، فقد كان هناك أعمال معادية للسامية إلى جانب احتجاجات "السترات الصفراء"، تلك الأعمال (المتعلقة بمعاداة السامية) يجب أن يتمّ لجمها من خلال التشريعات والعقوبات.

  • ما هي، برأيك، الأسباب وراء انتشار ظاهرة معاداة السامية، لنتحدث عن فرنسا مثلاً؟

نزعة معاداة السامية موجودة في فرنسا، كما هو الحال في كل مكان في أوروبا الغربية، إنه مزيج لمعاداة السامية يدخل في تركيبه اليسار المتطرف واليمين المتطرف، فيُنظر إلى اليهود ككبش فداء مثالي لكل مشاكل المجتمع الفرنسي: الصعوبات الاقتصادية، البطالة، تغير المناخ..الخ، وبالإضافة إلى ذلك، فإن عودة نزعة معاداة السامية ترتبط بإحياء نظرية المؤامرة، فاليوم يتم الترويج لخطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنتقل بعدها إلى الشارع، الخطاب المناهض للنظام هو محفّز لإحياء نزعة معاداة السامية، فمنذ سنوات وخطاب الكراهية يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي.

وكما قال الحاخام الفرنسي دلفين هورفيلور الذي نشر مؤخراً كتاباً حول القضية وسوف يقوم بتقديمه في الثامن والعشرين من شهر شباط/فبراير الجاري في المتحف اليهودي: "لا تمثل معاداة السامية كراهية منعزلة عمّا حولها، لكنها أول أعراض الانهيار القادم، هي الثغرة التي تتبعها فجوة، لكن نادراً ما يتم تفسير الأمر على اعتبار أنه مقدمة لضربة قوية"، هذا الوباء لا يستهدف فقط اليهود، بل يستهدف المجتمع برمته.

  • كيف تصفين الأوضاع هنا في بلجيكا فيما يتعلق بقضية معاداة السامية؟

معاداة السامية ارتفعت وتيرتها أيضاً في بلجيكا خلال السنوات الأخيرة، فالحكومة تحمي المؤسسات اليهودية والمدارس اليهودية والمعابد اليهودية، هناك تهديد مستمر، والأطفال اليهود أيضاً يذهبون إلى المدارسة اليهودية برفقة حرّاس، لكن القانون البلجيكي يحمي المجتمع اليهودي ويدين كافة أشكال معاداة السامية وخطاب الكراهية ضد اليهود.

  • المتحف اليهودي في بروكسل تعرّض في الرابع والعشرين من شهر أيار/مايو 2014 لهجوم قُتل على إثر عدد من الأشخاص، والمهاجمون هم الآن تحت قوس العدالة في بلجيكا، ضمن أي إطار تصنّفين مرتكبي هذا الهجوم؟

الهجوم الذي شهده المتحف قُتل في ميريام وإيمانويل ريفا ودومينيك سابييه وألكساندر سترينز والأخير هو مواطن مسلم ، وقد وري الثرى في المغرب.

محاكمة مهدي نموش ورفيقه ناصر بن درار يجب أن تسلّط الضوء على حقيقة ما حدث بالفعل في ذلك اليوم، ومن هو المسؤول عن الهجوم الرهيب، لقد كان القاتل مدربًا جيدًا، فقد قتل أربعة أشخاص بدمٍ بارد في أقل من 90 ثانية، إن الأدلة ضد المتهمين دامغة، وقد تمت دراسة مسارات الحياة للمتهمين بشكل دقيق، يُقال إن مهدي نموش قد ارتكب فظائع في سوريا، وقد تعرّف على الإرهابيين الذين ارتكبوا الهجمات على مطار زافنتم، ومحطة مترو أنفاق بروكسل وباتاكلان في باريس، ويقال إنه عذب الصحفيين الفرنسيين نيكولاس هينين وديدييه فرانسوا، اللذين يدليان حالياً بشهادتهما للمحكمة (التي تحاكم نموش ورفيقه بن درار)، وهما يتذكّران كيف كان (نموش) ساديًا ونرجسيًا، وكم كان يكره اليهود، كان قاتلاً متطرفًا وعمل خارج الإطار الاجتماعي. كان الهجوم الإرهابي على المتحف اليهودي هجومًا استهدف اليهود ولكن أيضًا استهدف الثقافة والديمقراطية، فهذا الهجوم يعرض قيمنا الديمقراطية وسيادة القانون للخطر، إن تلك العملية لا تتأسس على القيم الإسلامية، بل هي عملٌ قام به أناسٌ حمقى، فنموش نفذ عمليته بإيعاز من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

  • هل تعتقدين أن صور الضحايا في غزة والضفة الغربية وفي الشرق الأوسط بشكل عام تغذي النزّعة العدوانية عند بعض الشبّان في أوروبا؟

يعمل تنظيم الدولة الإسلامية على تجنيد الشبّان الذين يبحثون عن جدوى لحياتهم، يبحثون عن هوية من خلال مجموعة ما، هؤلاء لا يعرفون قيم الإسلام وأخلاقاته، هم واقعون فريسة الفتنة التي أحدثتها داعش، فريسة التطرّف، إنهم عالقون داخل دوّامة من العنف، وما يتمّ تلقينه لهم ليس له علاقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

  • كيف تصفين العلاقة بين اليهود وبين المسلمين هنا في بلجيكا؟

يعمل الزعماء الدينيون اليهود والمسلمون، جنباً إلى جنب، لإنجاز قضايا مشتركة تهمّ الطرفين، مثل موضوع الذبائح، كما أن الزعماء الدينيون يتشاركون قيماً واحدة كالتسامح والاحترام والسلام والحوار، وفيما يتعلق بالعلاقة بين المواطنين اليهود وبين المسلمين البلجيكيين، فإنها لا شك ستتعزز باضطّراد كلما توطدت أكثر أواصر التعاون بينهم، وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن عدد اليهود في بلجيكا يبلغ 40 ألفاً، بينما عدد المسلمين في هذه البلاد، يبلغ نحو 800 ألف مسلم، وأنا متأكدة أنه عندما ينفتح الناس على بعضهم البعض ستجد الكثير من الصداقات قد نشأت.

  • إذا ما عدنا إلى موضوع معاداة السامية، السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الكثيرين، وخاصة من العرب، هو ما إذا كانت "معاداة السامية" تعني معاداة اليهودية، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا ندعوها "معاداة اليهودية"؟

مصطلح معاداة السامية تمّ وضعه من قبل الباحث الألماني فيلهلم مار في عام 1879 لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا في القرون الوسطى، وركز المصطلح على البعد العرقي وأبرز الصفات العنصرية المفترضة مقارنة باليهود، وعارض ما يسمى الجذور "الآرية" مع ما يسمى "السامية" منها، وفي نهاية المطاف الحديث عن التباينات العرقية يصبّ في منحىً معادٍ لليهود عبر التاريخ.

إن اليهود ليسوا عرقا بل هم أناس يتشاركون التاريخ مع الأقوام الأخرى، وإذا ما تحدثنا عن السامية هناك الكثيرون من الساميين غير اليهود، من بينهم العرب.

  • ما الذي يمكن عمله لمواجهة التيار المعادي للسامية في أوروبا، وهل هناك أي علاقة بين السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وبين هذه القضية؟

من بين الوسائل لمكافحة معاداة السامية، التعليم، فنحن بحاجة إلى بناء مجتمع أفضل وأكثر انفتاحاً، وقبولاً للآخر، يجب أن يتم احترام الاختلاف والانتماء، نحن بحاجة إلى أن نتشارك القيم الأخلاقية، من أجل تعزيز الديمقراطية وإرساء دعائم القانون.

لقد تمّ نقل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى البلاد الأوروبية، وقد تأثرت نتيجة لذلك صورة اليهود عند الأوروبيين، لقد تم تقديم يهود أوروبا على اعتبار أنهم مؤيدون بشكل مطلق للحكومة الإسرائيلية ومسؤولون عمّا يجري في الشرق الأوسط، تمّ تقديم الجماعات اليهودية على أنها وحدة واحدة، لكن هناك آراء مختلفة وكل شخص لديه وجهة نظر خاصة حول الصراع السياسي المعقد في الشرق الأوسط، وفي نهاية المطاف، يعيش اليهود الأوروبيون في أوروبا ويصوّتون في أوروبا.

وحتى لو تم حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني غداً، فإن معاداة السامية في أوروبا لن تنتهي، فمعاداة السامية ناجمة عن عوامل أخرى، وأود الإشارة إلى أن معاداة السامية منتشرة حتى في الدول العربية، حيث يباع كتاب بروتوكول حكماء صهيون في العديد من المكتبات، انتشار هذا النوع من الكتب لهو أمرٌ مدمر.

  • ما هي أنشطة المتحف اليهودي في بروكسل، وهل هناك تنسيق مع المراكز الدينية الأخرى في المدينة، على سبيل المثال مع المركز الثقافي الإسلامي؟

بعد الهجوم الإرهابي في عام 2014 ، أصبح المتحف اليهودي مكانًا رمزيًا. ولكنه لا يزال يعمل كمتحف، ونحن نساهم في بناء مجتمع أفضل وأكثر انفتاحاً، ويؤدي المتحف اليهودي ثلاث مهام رئيسة: التراث والثقافة والتعليم، تلك المضامين التي يتم تجسيدها من خلال النشاطات والمعارض التي نقيمها داخل المتحف، فنحن نتناول موضوعات كالهجرة، والهويات المختلفة والتمييز وحقوق الأقليات، فكل تلك المواضيع نقوم بعرضها من خلال الأنشطة الثقافية مثل الحفلات الموسيقية والمحاضرات والمسرح، ونحن نسعى إلى المساهمة بشكل خاص في الحوار بين الثقافات وتعزيز التسامح وعدم التمييز، وذلك من خلال بناء الجسور مع المجتمعات الأخرى، والتي من بينها المجتمعات المسلمة. إحدى الأمور الهامة التي ننفذها في هذا السياق هو الإفطار في شهر رمضان داخل المتحف اليهودي، فهذا الحدث السنوي نفخر بأنّه يجمع قادة المجتمع اليهودي والمسلم والمسيحي والناشطين والجمهور العام على اختلاف الديانات والقوميات حول مائدة الإفطار الرمضاني.

للمزيد على يورونيوز:

الرئيس الفرنسي: معاداة الصهيونية أحد أشكال معاداة السامية

مسيرات تضامنية في فرنسا وماكرون يؤكد عزمه مكافحة معاداة السامية