تختبر دول في حلف "الناتو" تقنيات جديدة تعتمد على حشرات حية مزوّدة بإلكترونيات للتحكّم بها واستخدامها في مهام الاستطلاع داخل المباني والأنفاق في حروب المستقبل.
تتجه دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى اختبار تقنيات غير تقليدية في مجال الاستطلاع العسكري، من بينها حشرات حية مزودة بإلكترونيات دقيقة يمكن التحكم بها عن بعد لجمع المعلومات داخل المباني والأنفاق والمناطق المدمرة. وتقوم الفكرة على استخدام صراصير حية مزودة بحقيبة إلكترونية صغيرة تحتوي على حساسات وكاميرات وأنظمة اتصال، ما يسمح لها بالتحرك في الأماكن الضيقة التي تواجه فيها الطائرات المسيرة الصغيرة والروبوتات الأرضية صعوبة في العمل.
وبحسب تقرير لموقع Army Recognition المتخصص في الشؤون الدفاعية، تعمل شركة التكنولوجيا الدفاعية الألمانية SWARM Biotactics على تطوير ما تصفه بـ"أسراب صراصير سيبورغ قابلة للبرمجة" يمكن استخدامها في مهام الاستطلاع العسكري، وقد جرى اختبار هذه الأنظمة مع زبائن من دول الناتو، بينهم الجيش الألماني (البوندسفير).
ويأتي هذا التوجه ضمن مسار أوسع للاستفادة من الكائنات الحية في العمليات العسكرية، إذ استخدمت الجيوش في مراحل سابقة الحمام الزاجل لنقل الرسائل والدلافين في بعض المهام البحرية، قبل أن يتطور الأمر اليوم إلى دمج التكنولوجيا مباشرة في الكائنات الحية لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات.
من فكرة إلى اختبار ميداني
أوضح الرئيس التنفيذي للشركة ستيفان فيلهلم أن المشروع تطور بسرعة خلال فترة قصيرة، إذ انتقل من مجرد فكرة إلى مرحلة الاختبارات الميدانية والتشغيل الأولي.
وقال فيلهلم إن الشركة طورت "أسراب صراصير سيبورغ قابلة للبرمجة جرى بناؤها واختبارها ميدانيا ونشرها لدى زبائن من الناتو"، مؤكدا أن هذه التقنية لم تكن موجودة قبل عام واحد فقط، وفق ما أورده موقع Defence Blog المتخصص في الأخبار الدفاعية.
وأضاف أن هذه الأنظمة تتكون من كائنات حية يتم التحكم بها عبر واجهات عصبية إلكترونية مزودة بحساسات وأنظمة اتصال آمنة ومعالجة بيانات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويمكن تشغيلها بشكل فردي أو ضمن أسراب منسقة بحسب المهمة، بحسب التقرير نفسه.
كيف تعمل الصراصير السيبورغ
تعتمد التكنولوجيا على ما يعرف بالأنظمة البيوهجينة، أي دمج الكائنات الحية مع الإلكترونيات للتحكم بحركتها وتنفيذ مهام محددة.
وفي هذا النظام يتم تركيب حقيبة إلكترونية صغيرة على ظهر الصرصور تحتوي على كاميرات أو حساسات، إضافة إلى وحدة اتصال لاسلكي ومعالج دقيق لمعالجة البيانات وبطارية صغيرة. ويجري توجيه حركة الحشرة عبر تحفيز كهربائي للأعصاب يسمح بالتحكم بها عن بعد أثناء تنفيذ مهام الاستطلاع، بحسب تقرير موقع Army Recognition.
مهمة "الأمتار الأخيرة"
تركز هذه التكنولوجيا على ما يسميه الخبراء العسكريون استطلاع "الأمتار الأخيرة" داخل المباني والأنفاق أو تحت الأنقاض، وهي بيئات غالبا ما تعجز الطائرات المسيرة الصغيرة عن العمل فيها بسبب ضيق المساحة أو ضعف إشارات الاتصال.
ويرى مطورو المشروع أن الصراصير السيبورغ قد تمنح القوات العسكرية وسيلة منخفضة البصمة الصوتية والبصرية لجمع المعلومات دون كشف موقع الجنود أو إرسال طائرات مسيرة يمكن اكتشافها بسهولة، وفق التقرير نفسه.
كما يمكن تزويد هذه الحشرات بحساسات مختلفة مثل أجهزة الاستشعار الصوتية أو الكيميائية، ما يسمح بتحديد مواقع الأشخاص أو المعدات داخل الأماكن المغلقة، بحسب ما ذكره موقع Defence Blog.
سباق عسكري في مجال البيوروبوتات
تشير تقارير دفاعية إلى أن الاهتمام بهذه التكنولوجيا يتزايد داخل دول الناتو في إطار جهود تسريع الابتكار العسكري وتطوير أدوات استطلاع جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصغيرة.
وذكرت شركة SWARM Biotactics أنها نجحت خلال أقل من عام من تأسيسها في توسيع فريقها إلى أكثر من 40 مهندسا وعالما يعملون في ألمانيا والولايات المتحدة، كما حصلت على استثمارات تقدر بنحو 13 مليون يورو لدعم تطوير هذه الأنظمة، وفق ما أورده موقع Defence Blog.
كما أكدت الشركة أن أنظمتها خضعت لاختبارات ميدانية في أوروبا والولايات المتحدة، وأن لديها بالفعل زبائن دفاعيين يدفعون مقابل استخدام هذه التكنولوجيا، من بينهم الجيش الألماني.
الطبيعة في خدمة التكنولوجيا العسكرية
ليست فكرة استخدام الحيوانات في العمليات العسكرية جديدة؛ فقد استخدمت الجيوش في الماضي وسائل مختلفة مثل الحمام الزاجل لنقل الرسائل والدلافين في بعض المهام البحرية.
لكن التطور الحالي يذهب أبعد من ذلك عبر دمج التكنولوجيا مباشرة في الكائنات الحية، وهو ما قد يفتح الباب أمام جيل جديد من أدوات الاستطلاع الصغيرة التي قد تلعب دورا في حروب المستقبل، بحسب تقارير Army Recognition.
إنتاج عبر التكاثر لا المصانع
يرى مطورو المشروع أن إحدى المزايا الأساسية لهذه الأنظمة تكمن في إمكانية توسيعها عبر التكاثر البيولوجي بدلا من خطوط التصنيع التقليدية، وهو ما قد يغير طريقة إنتاج المنصات العسكرية الصغيرة.
وقال فيلهلم إن الشركة لا تسعى إلى "بناء طائرة مسيرة أفضل"، بل إلى تطوير نموذج جديد يعتمد على توسيع القدرات عبر البيولوجيا وليس التعقيد الهندسي، وفق ما نقل موقع Defence Blog.
ومع ذلك، ما تزال هذه التكنولوجيا تواجه تحديات تقنية وعملياتية، مثل موثوقية التحكم في الحشرات وتأمين الاتصال اللاسلكي في البيئات المعقدة، إضافة إلى نقاشات أخلاقية حول استخدام الكائنات الحية في التطبيقات العسكرية.