عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

"احمني" مشروع تونسي لتوفير التغطية الصحية للنساء العاملات في القطاع الفلاحي

محادثة
امرأة تجمع قارورات البلاستيك من صندوق للقمامة في تونس
امرأة تجمع قارورات البلاستيك من صندوق للقمامة في تونس   -   حقوق النشر  رويترز
حجم النص Aa Aa

ترتسم الفرحة على وجه نعيمة الخليفي أثناء قيامها بجمع الزيتون بعدما حصلت على دفتر يمكنها من العلاج في المستشفى بفضل مشروع "احميني" الذي سيؤمن لها للمرة الأولى تغطية صحية كما لمئات العاملات الأخريات اللواتي يعانين من "واقع صعب" في أرياف تونس.

ويُمكن هذا المشروع عبر منصة إلكترونية المرأة الريفية من تحويل قدر من المال من أجرتها اليومية عبر رسالة بهاتفها الجوّال لمنظومة الضمان الاجتماعي الحكومية وتتحصل تبعا على دفتر يمكنها من العلاج.

استعارة دفتر العلاج

في منطقة "الشبيكة" بولاية القيروان (وسط)، تقف نعيمة (49 عاما) وهي أم لأربعة أبناء برفقة مجموعة من النساء يجمعن الزيتون، وقربهن، إبريق الشاي لا يتوقف عن الزمجرة على نار خافتة إلى جانبه سلة صغيرة تحتوي على بعض من قطع الخبز للفطور.

تشكو نعيمة من مرض التهاب المفاصل ومن ضرورة زيارة الطبيب بصفة دورية غير أنها لا تجد المال لذلك.

وتقول بنبرة حزينة يقطعها تنهد وهي التي تعمل منذ عشرين عاما دون تغطية إجتماعية بينما زوجها يعاني مرضا بدوره يمنعه من العمل "عندما يمرض أحد الأبناء أو فرد من العائلة كنت أستعير دفتر علاج الجارة لكي أتمكن من علاجه بالمستشفى".

وتتابع ويدها تمسك دفتر العلاج الذي تحصلت عليه لأول مرة في حياتها، "أحيانا نستعير الدواء من بعضنا البعض لكي نسكن الآلام"، ولكن اليوم "الدفتر في يدي والبال مرتاح، سأتمكن أنا وابنائي من العلاج بأقل مال".

بين مكتبه وحقول الزيتون في ولاية القيروان، لا يهدأ بال الشاب التونسي ماهر الخليفي (34 عاما) حتى يذلل ما أمكن من عقبات أمام مشروعه "احميني" واقناع أكبر عدد ممكن من النساء صحبة فريقة الذي لا يتجاوز معدل أعمارهم الثلاثين، بالإنخراط في المنظومة.

تغطية صحية تضمن راتبا خلال تقاعد أيضا

تفاعلت الحكومة مع المشروع وفي نيسان/أبريل الفائت قررت تخفيض مساهمة المرأة الريفية في الضمان الصحي الى حوالي 20 دينارا شهريا (نحو 7 يورو) ليتلاءم مع وضعيتها.

مقابل ذلك، تستفيد العاملات من امتيازات العلاج بتعريفات منخفضة والتأمين في حالة وقوع حوادث شغل ويحصلن على راتب خلال التقاعد.

قبل هذا المشروع، لم يكن بإمكان النساء الإنخراط في الضمان الاجتماعي لأن عملهن موسمي ولا يخوّل لهن دفع أقساط التأمين طيلة السنة بانتظام، بالإضافة إلى صعوبة التنقل الى المدن حيث إدارات التأمين.

عشرة دنانير (3 يورو) يوميا

تتقاضى نعيمة والعاملات معها أجرة يومية لا تتجاوز عشرة دنانير (حوالي ثلاثة يورو) ويتعبن يوميا منذ ساعات الصباح الأولى الى وقت الغروب من أجل تحصيل نقود لا تكفي لدفع مقابل صور الأشعة في المستشفى.

يتنقل ماهر بين أشجار الزيتون يسألهن الواحدة تلو الأخرى عما إذا كنّ جلبن الوثائق اللازمة للتسجيل في تطبيق "احميني".

وتقول حفضية (49 عاما)، وهي أمّ لخمسة أبناء وتعاني من مشاكل ضغط الدم، إنها ترى في "احميني" منقذا لعائلتها. وتضيف "نأمل أن يغير -احميني- من وضعنا الصحي ومن حياتنا نحو الأفضل".

تواجه العاملات في أرياف تونس وضعا "مأساويا"، يتنقلن في ساعات الصباح الباكر الى العمل في وسائل نقل تفتقد الى أبسط معايير السلامة.

رويترز
صورة لأحد الأسواق في العاصمة التونسية- تونس 2019رويترز

وقتل 12 شخصاً بينهم سبع نساء كن في الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في طريقها إلى حقول يعملن فيها، في حادث سير في نيسان/أبريل الفائت في منطقة "السبالة" في منطقة سيدي بوزيد المهمشة (وسط). لم يكن للنساء أي تأمين صحي أو ضمان اجتماعي أو تأمين على الحياة.

إنطلق مشروعه أواخر 2016، حين خرج هذا الشاب باحثا ككل التونسيين عن عمل بعد أن تخرج من كليّة في اختصاص الهندسة الميكانيكية، دفعه الفضول للمشاركة في مسابقة نظمها البنك الدولي في تونس من أجل ايجاد أفكار مشاريع تتعلق بالمرأة الريفية، وكان من بين المتوجين.

تجربة قاسية وراء فكرة المشروع

لم يكن يملك لا حاسوبا ولا المال للتنقل من ولاية القيروان إلى العاصمة.

ويقول الخليفي الذي يتحدر من عائلة متواضعة في منطقة الشبيكة وله ثمانية إخوة "انطلقت الفكرة من واقع صعب عشته وأدركت من خلاله قيمة التغطية الاجتماعية، توفيت أمي لأننا لم نكن نملك المال ودفتر العلاج".

وفاة "فطومة" في 2016، "كان مشهدا صعبا، وأنا عاجز عن ايجاد المال وقد استفحل بها المرض".

ويتابع "أريد ان أحفظ كرامة المرأة الريفية، حين يتقدم بها السنّ أو تمرض لتجد دفترا تستطيع أن تعالج به".

الهدف بلوغ تغطية صحية لنصف مليون عاملة

يهدف مشروع ماهر الذي يموله من الجوائز المالية التي ينالها في المسابقات الدولية بالإضافة إلى شراكة مع بنك حكومي، إلى تسجيل حوالى نصف مليون امرأة عاملة في قطاعات الزراعة والصيد البحري وغيرها، تسعون في المئة منهن ليست لهن تغطية صحية. وتوصل المشروع الذي انطلق في العمل الميداني منذ ايار/مايو الفائت من تمتع نحو 400 امرأة بتأمين صحي.

لم تخل مراحل انجاز المشروع من صعوبات أهمها البيروقراطية، ويؤكد ماهر على أنه من الصعب "ان تقنع ادارة باعتماد التكنولوجيا الحديثة" رغم الثورة التي شهدتها البلاد في 2011.

ونال المشروع جوائز دولية عديدة لانه وفي تقدير عفيفة الغمقي التي أشرفت على المشروع من البنك الدولي "قصة نجاح حقيقية، تعتمد على تقسيم مساهمات المرأة في دفع ضمانها الاجتماعي" ولأنه أيضا "سهل التطبيق في كل الدول ويمكن اعتماده وقابل للتطوير".

لكن بالنسبة الى ماهر، "سر النجاح أن ترى في النهاية المرأة الريفية وقد تمكنت من دفترها وتستطيع أن تعالج به".