عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

البابا من شمال العراق المدمر على يد تنظيم "داعش": العراق سيبقى في قلبي

البابا في الموصل
البابا في الموصل   -   حقوق النشر  AP Photo/Andrew Medichini
حجم النص Aa Aa

وجه البابا فرنسيس تحيّةً الى العراق في القداس الذي أحياه في أربيل، آخر محطات زيارته التاريخية الى العراق، قائلا "الآن، اقتربت لحظة العودة إلى روما. لكنّ العراق سيبقى دائماً معي وفي قلبي".

واختار البابا أن يختم قداسه برسالة أمل، قائلاً "في هذه الأيام التي أمضيتها بينكم، سمعت أصوات ألمٍ وشدّة، ولكن سمعت أيضاً أصواتاً فيها رجاءٌ وعزاء، خاتماً بالقول "سلام، سلام، سلام. شكراً"، ثم "الله معكم" باللغة العربية.

وبعد محطته في النجف وأور، توجه البابا فرنسيس في اليوم الثالث من زيارته التاريخية للعراق شمالاً، حيث يحيي قداساً في أربيل سيضمّ الآلاف، ثمّ يزور الموصل وقرقوش، اللتين عانتا على مدى ثلاث سنوات من انتهاكات تنظيم داعش.

وتحمل هذه المحطة من الزيارة أهمية كبرى، لا سيما أن محافظة نينوى، وعاصمتها الموصل، تشكّل مركز الطائفة المسيحية في العراق، وتعرّضت كنائسها وأديرتها الضاربة في القدم لدمار كبير على يد التنظيم المتطرف.

في الموصل حيث أعلن تنظيم داعش "الخلافة" عام 2014، يتلو البابا صلاة "من أجل أرواح ضحايا الحرب". وعندما سيطر التنظيم على المنطقة، أيد البابا فرنسيس استخدام القوة لوقف انتشاره، ودرس إمكان السفر إلى شمال العراق للوقوف إلى جانب الأقلية المسيحية.

ولا تزال آثار الحرب ظاهرة فيها، رغم مرور ثلاث سنوات على طرد التنظيم منها، بعد معارك امتدت أشهرا طويلة بين القوات الحكومية العراقية والجهاديين، خلّفت مئات الضحايا ودفعت الآلاف للنزوح.

"إزالة سوء الفهم"

كان البابا ندّد بكلمته السبت من أور في جنوب العراق بـ"الإرهاب الذي يسيء إلى الدين"، مضيفاً: "نحن المؤمنين، لا يمكن أن نصمت عندما يسيء الإرهاب للدين، بل واجب علينا إزالة سوء الفهم".

يأمل عدنان يوسف وهو مسيحي من سكان نينوى "أن تكون هذه الزيارة فاتحة خير لأبناء الشعب العراقي". ويرى الأب جورج جحولة من قرقوش الواقعة على بعد 30 كلم إلى جنوب الموصل أن "هذه الزيارة مهمة جداً لأنها ستساهم برفع معنوياتنا بعد سنوات من المصاعب والمشاكل والحروب"، علماً أن أعداد المسيحيين تناقصت جداً على مر العقود بسبب الحروب والأزمات.

ولم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من سكانه، البالغ عددهم 40 مليوناً بعدما كان عددهم 1,5 مليون عام 2003 قبل الغزو الأميركي للعراق.

"أملا في عودة مسيحيين عراقيين"

ويلتقي الحبر الأعظم في المدينة القديمة في الموصل التي كانت في يوم من الأيام مركزاً للتجارة في الشرق الأوسط، لكنها الآن عبارة عن ركام، مسيحيي المنطقة. وفي شوارع الموصل التي لا تخلو من الدمار، ارتفعت لافتات كتب عليها "الموصل ترحب بالبابا فرنسيس".

ولا يوجد في نينوى ملعب رياضي مناسب أو كاتدرائية لإقامة قداس بابوي، كما يوضح رئيس أساقفة الموصل ميخائيل نجيب لفرانس برس، ويضيف القول إن "14 كنيسة مدمرة، سبع منها تعود للقرون الخامس والسادس والسابع".

بين هذه الكنائس، كاتدرائية مسكنته، وهو اسم شهيدة مسيحية في القرون الأولى، تغطيها اليوم حجارة وركام، أما كنيسة القديس شمعون الصفا (القديس بطرس) فمليئة بأكياس قمامة.

وتمنى حسام الخواجة وهو مسيحي من سكان الموصل "أن تكون زيارة البابا حافزاً لإرجاع كافة المسيحيين"، ولا يزال هناك عشرات آلاف النازحين من نينوى لم يعودوا إلى بيوتهم حتى الآن.

تحديات أمنية

ولا تخلو زيارة البابا من تحديات أمنية، وهي تتم وسط اجراءات مشددة. ويعبر البابا خلالها مسافة 1445 كلم، في سيارة مصفحة، أو في طائرة ومروحية خاصة، فوق أراض لا تزال تختبأ فيها خلايا جهادية سرية.

بعد الموصل، يزور البابا بلدة قرقوش. ويستعدّ سكانها لاستقباله بهدية فريدة تعكس تراث منطقتهم، عبارة عن وشاح صمم له خصيصاً، إضافة إلى استعدادات أخرى من زينة ورايات ترحيباً به.

ولبلدة قرقوش أو بغديدة تاريخ قديم جدا سابق للمسيحية، يتحدث سكانها اليوم لهجة حديثة من الآرامية، لغة المسيح، ولذلك تعدّ محطة هامة في زيارة الحبر الأعظم.

ولحق دمار كبير بقرقوش على يد تنظيم داعش ولا يزال الوضع الأمني متوتراً مع انتشار الجماعات المسلحة، التي ترعاها الدولة بأعداد كبيرة في السهول المحيطة، هناك، يزور البابا كنيسة الطاهرة التي دمرها تنظيم داعش، لكن أعيد ترميمها بالكامل. وهذه أول زيارة بابوية على الإطلاق للعراق، يحقق فيها فرنسيس حلماً لطالما راود البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني.

تحديات صحية

لكن بالإضافة إلى التحديات الأمنية، تأتي الزيارة وسط تحدٍّ صحي أيضاً، مع زيادة بأعداد الإصابات بكوفيد-19، حرمت الحشود من ملاقاة البابا وإلقاء التحية عليه.

وفي إحدى آخر محطات زيارته، يقيم البابا قداسًا في الهواء الطلق في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، في ملعب يتسع لأكثر من 20 ألف شخص، لكن لن يضمّ سوى 4 آلاف. وتنعم إربيل بوضع أمني مستقرّ نسبياً، كما أن وضع البنى التحتية فيها جيّد.

وعندما اجتاح تنظيم داعش شمال العراق، لجأ مئات آلاف المسيحيين والمسلمين والأيزيديين إلى إقليم كردستان العراق، الذي كان يستضيف أساسا الأقليات النازحة إثر العنف الطائفي، الذي شهده العراق خلال مراحل سابقة تلت الغزو.

كان البابا وصف الأيزيديين في خطاب الجمعة بـ"الضحايا الأبرياء للهجمية المتهورة وعديمة الإنسانية، فقد تعرضوا للاضطهاد والقتل بسبب انتمائهم الديني وتعرضت هويتهم وبقاؤهم نفسه للخطر".

وفي اليوم الثاني من زيارته التاريخية، التقى البابا السبت في النجف المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، الذي أعلن اهتمامه بـ"أمن وسلام" المسيحيين العراقيين.

ومنذ وصوله الجمعة إلى بغداد، تطرق البابا إلى كل المواضيع الحساسة والقضايا التي يعانيها العراق، وليس المسيحيون فقط، قائلاً " لتصمت الأسلحة! ولنضع حدا لانتشارها هنا وفي كل مكان!".