مصر.. انكماشٌ في حجم العملات الصعبة وقلقٌ لدى رجال المال والأعمال

Access to the comments محادثة
بقلم:  Hassan Refaei
مشهد عام للعاصمة المصرية، القاهرة، 25 مايو 2022.
مشهد عام للعاصمة المصرية، القاهرة، 25 مايو 2022.   -   حقوق النشر  AP Photo

تشهد العملات الصعبة في بنوك الاستثمار المحلية والعالمية بمصر انكماشاً حاداً، ألقى بظلاله الثقيلة على مفاصل الحياة الاقتصادية في البلاد بعدما تراجعت حركة التجارة وعمليات الاستيراد من الخارج، إلى حدّ خبت فيه طموحات المستوردين وتأجج لديهم القلق على واقع ومستقبل أعمالهم ومصالحهم.

وتحدثت صحيفة الـ"فايننشال تايمز" الأمريكية عن رجل الأعمال المصري، رفيق كلوفيس، على اعتبار أنه أحد المتضررين من شحّ العملات الصعبة في البلاد، حيث أمضى شهر كانون الأول/ديسمبر المنصرم، في حالة ترقب مشوبة بالقلق آملاً بأن يتمكّن المصرف الذي يتعامل معه من تأمين مبلغ 67 الف دولار أمريكي، من أجل تمويل استيراد شحنة قطع غيار السيارات من أوروبا.

لكنّ العام انقضى، دون أن تُقضى حاجة الرجل بشأن المبلغ المذكور، علماً أن حجم واردت كلوفيس خلال العام الماضي لم تتجاوز 10% مقارنة مع معدّلها السنوي العام، وفقاً للصحيفة المذكورة.

وتنقل الـ"فايننشال تايمز" عن كلوفيس قوله بشأن نشاطه التجاري: "الأوضاع كارثية، إذ ليس ثمة دولارات، وليس لدى أدنى فكرة عن كيفية حلّ هذه المشكلة"، مضيفاً: "لدي خمسة موظفين، ونحن نعتاش حالياً على الإيرادات التي جمعناها في السنوات الماضية".

هذا "الوضع الكارثي" الذي يعيشه المستوردون في مصر، جراء شحّ العملات الصعبة، يمتد ليشمل الكثير من النشاطات الاقتصادية بالبلاد، حيث شهدت الأسابيع الثلاث الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا في شهر شباط/ فبراير الماضي، تسرّب ما يقرب من الـ20 مليار دولار إلى الخارج وتوجه المستثمرون الأجانب بمبالغهم تلك إلى الملاذات الآمنة.

ورغم أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية وقطر أودعوا في البنوك المصرية خلال العام 2022 مبالغ بلغت قيمتها 13 مليار دولار، إضافة إلى 3.3 مليار دولار قيمة الأصول التي تم بيعها للإمارات، لكنّ بقي ثمة شحّ في حجم المعروض من العملات الأجنبية في الدولة المصرية، التي تعتمد كثيراً على الاستيراد.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال قبل نحو أسبوع إن البنوك المصرية ستساعد في غضون أربعة أيام من أجل تأمين الدولارات اللازمة لتصفية الواردات المتراكمة في الموانئ منذ أشهر، دون أن يتطرق إلى تفاصيل هذه الخطة.

ووفقاً لرئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، فإن ما قيمته 9.5 مليار دولار لا تزال محتجزة في الموانئ، من بينها بضائع تقدر قيمتها بـ4.5 مليار دولار تحظى بأولوية قصوى وفقا لاتحادي الغرف التجارية والصناعية، وهذه البضائع تعمل الحكومة على تحريرها قريباً، بينما ثمة بضائع أخرى تبلغ قيمتها 5 مليارات دولار سيتم الإفراج عنها من الموانئ بين الأول من شهر كانون الأول/ديسمبر ولغاية الـ23 منه بمساعدة البنك المركزي.

وكان من تداعيات الحرب الروسيىة على أوكرانيا ارتفاع أسعار سلع أساسية، كالقمح، في مصر التي تعدّ من أكبر مستوردي الحبوب في العالم، وهو ما أدى إلى زيادة الضغط على موارد العملات الأجنبية في البلاد، ما دفع البنك المركزي المصري إلى خفض قيمة الجنيه في شهري آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر الماضيين.

وبلغ معدل التضخم في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 18.7%، وهو أعلى معدل له في 5 أعوام، و للمرة الرابعة خلال 6 أعوام اضطرت مصر إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، الذي وافق الشهر الماضي على منحها قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار على مدى 4 سنوات.

 وبالمقابل أعلن البنك المركزي المصري زيادة سعر الفائدة 200 نقطة أساس، وتحديد نظام سعر صرف مرن للجنيه مقابل العملات الأجنبية، وإلغاء تدريجي للتعليمات الصادرة بشأن الاعتمادات المستندية في عمليات تمويل الاستيراد، إضافة إلى تطوير سوق المشتقات المالية لتعميق سوق الصرف الأجنبي.

وتشير الـ"فايننشال تايمز" إلى أن البنك المركزي المصري، وفي محاولة منه لوقف التدفقات الخارجة بالعملة الأجنبية وسط النقص الناجم عن الحرب في أوكرانيا قرر العمل بنظام الاعتمادات المستندية، لكن القرار أحدث اضطراباً اقتصادياً بعد أن تباطأت الواردات إلى حد كبير، لكنّ البنك المركزي قرر يوم الخميس الماضي إلغاء العمل بنظام الاعتمادات المستندية، وبدء التعامل بمستندات التحصيل في تنفيذ جميع العمليات الاستيرادية.

وكانت قيمة الجنيه المصري تراجعت أمام الدولار، من حوالي 16 إلى 24.7 جنيها للدولار، فيما تبقى معدلات سعر الجنيه في السوق السوداء أقل من ذلك.

وفي الثاني والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر المنصرم، رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة على الإيداع بواقع 300 نقطة أساس، مما رفع أسعار الإيداع لليلة واحدة إلى 16.25%، كما تم رفع الائتمان والخصم بواقع 300 نقطة أساس ليصل إلى 16.75%، وتجاوز هذا الارتفاع توقعات المحللين الماليين، وعكس القلق المتزايد بشأن التضخم وهبوط قيمة الجنيه، وفقاً لمؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" للاستشارات التي تتخذ من العاصمة البريطانية، لندن مقراً لها.

ومصرالتي تستوردُ معظم حاجياتها الغذائية والمكونات الأساسية لصناعاتها، تضررت فيها بشدّة الأعمال الاقتصادية والإنتاجية بدءاً من مزارع الدواحن وليس انتهاءً بصناعة السيارات.

وبينما ينشغل صنّاع القرارالمصريون في كيفية الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن، لا يدعم فيه البنك المركزي قيمة الجنيه، يشكّوا رجال الأعمال من عدم وضوح الروية بشأن مستقبل المال والأعمال في البلد العربي الأكبر من ناحية عدد السكّان.

المصادر الإضافية • فايننشال تايمز