تتجاوز المخاوف من أي ضربة أمريكية محتملة ضد إيران حدود طهران، إذ تراقب دول الجوار، من الخليج إلى تركيا وباكستان والعراق، التطورات بقلق متزايد، مدفوعة بحسابات أمنية واقتصادية وسياسية تجعل سيناريو التصعيد العسكري كلفة يصعب تحمّلها.
تشترك إيران في حدود برية مع سبع دول: العراق وتركيا من الغرب، أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان من الشمال، وأفغانستان وباكستان من الشرق، إضافة إلى أنها تطل على بحر قزوين شمالاً، والخليج العربي وخليج عمان جنوباً. هذا الامتداد الجغرافي يجعل أي اضطراب داخلي أو ضربة عسكرية ضدها حدثاً عابراً للحدود حكماً، وهو ما يفسر اتساع دائرة القلق بين جيرانها. ومن بين هؤلاء، يبرز التخوف الأكبر لدى دول الخليج وتركيا وباكستان والعراق، التي ترى في أي تصعيد أمريكي مدخلاً لفوضى إقليمية يصعب ضبطها.
على مدى عقود، تعاملت حكومات عربية مع إيران بريبة عميقة، وبلغ الأمر حدّ التسامح سابقاً مع فكرة تغيير النظام فيها، غير أن هذه المقاربة بدأت تتراجع مع اجتياح احتجاجات واسعة المدن الإيرانية وردّ النظام عليها، بالتوازي مع تصعيد في لهجة واشنطن، إذ كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته باتخاذ عمل عسكري، ودعا الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة متعهداً بأن "المساعدة في الطريق".
ورغم الغموض الذي لفّ طبيعة أي هجوم محتمل، دفعت تصريحاته المنطقة إلى الاستعداد لسيناريو تصعيدي. لاحقاً، تحدث ترامب عن معلومات تفيد بأن "القتل في إيران يتوقف"، وهو ما فُسّر جزئياً كمؤشر تهدئة، من دون أن يلغي خيار العمل العسكري من حساباته.
وهذا التذبذب في المواقف الأمريكية قابله صمت لافت من حكومات ذات غالبية مسلمة في الشرق الأوسط، فالمخاوف من اضطراب إقليمي مفهومة في منطقة منهكة أصلاً بعد سنوات من الحروب في سوريا واليمن وغزة. وأي مواجهة مباشرة مع إيران قد تستدرج إسرائيل وتشعل نزاعاً أوسع، فيما تخشى بعض الدول بدورها من أن يمنح انفجار الشارع الإيراني زخماً لفكرة إسقاط الأنظمة عبر التعبئة الشعبية.
دول الخليج
رغم أن دول الخليج العربية اعتبرت إيران خصما إقليمياً رئيسياً منذ الثورة الإسلامية عام 1979، فإنها لا تصطف اليوم خلف التهديدات الأمريكية باستخدام القوة ضد طهران. تميل هذه الدول إلى الدعوة لتجنب حرب جديدة في جوارها المباشر، إدراكاً منها أن الفوضى التي قد تنجم عن هجوم أمريكي أو عن انهيار النظام الإيراني ستكون مكلفة للجميع.
خلف الكواليس، أفادت تقارير بأن السعودية مارست ضغوطاً على الإدارة الأمريكية لعدم توجيه ضربة، فيما ركزت قطر وسلطنة عُمان على جهود دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، في مسعى لخفض التصعيد.
وتدرك دول الخليج أن أي حرب قد تمتد سريعاً إلى أراضيها، فهي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية قد تكون أهدافاً لرد إيراني، كما حصل في يونيو حين أطلقت إيران صواريخ على قاعدة العديد الأمريكية في قطر خلال حرب استمرت 12 يوماً مع إسرائيل.
كذلك، تخشى الدول المنتجة للنفط من إغلاق مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يعبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، وما يعنيه ذلك من اضطراب في تجارة الطاقة وإعادة إشعال صراعات إقليمية أخرى.
العراق
في العراق، تبدو المخاوف جديّة، فقد بدأت وزارة الخارجية العراقية اتصالات دبلوماسية مكثفة مع الأردن ومصر والسعودية وتركيا في محاولة لمنع وقوع هجوم عسكري أمريكي ضد إيران. بالنسبة للقوى الحاكمة في بغداد، لا يُقرأ أي تصعيد ضد طهران كحدث خارجي معزول، بل كمدخل مباشر لزعزعة النظام السياسي العراقي نفسه.
تخشى هذه القوى من سيناريو تغيير النظام في إيران، في ظل تهديد الفصائل العراقية الحليفة لطهران باستهداف القوات الأمريكية. مثل هذا التطور قد يستجلب رداً أمريكياً داخل الأراضي العراقية، ويحوّل البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
هذا الاحتمال يهدد بتفكك التوازن الهش القائم، خصوصاً أن الإطار الشيعي الذي يقود النظام الحالي، وتندرج ضمنه شخصيات مثل هادي العامري وقيس الخزعلي ونوري المالكي، يرى في إسقاط النظام الإيراني تهديداً وجودياً، فذلك قد يفتح الباب أمام صدام داخلي، أو تدخل أمريكي أوسع، أو تحرك استباقي من قبل فصائل مسلحة مثل حركة النجباء والحشد الشعبي للسيطرة على الدولة، ما يجعل أي تغيير في طهران مرادفاً لاحتمال انهيار المنظومة السياسية في بغداد.
تركيا وباكستان
في تركيا، يتخذ القلق شكلاً ديموغرافياً وأمنياً، إذ تخشى أنقرة موجات لجوء جديدة لا تستطيع تحمّلها، على غرار ما شهدته خلال الحرب في سوريا، كما تقلق من أن تمكّن الاضطرابات الأكراد الإيرانيين، بما يخلق نطاقاً كردياً متصلاً يمتد من إيران عبر العراق إلى سوريا.
وإلى جانب ذلك، فإن تأييد المحتجين الإيرانيين علناً يضع تركيا، كما العديد من الحكومات العربية، أمام سابقة محرجة تمنح شرعية لفكرة إسقاط الأنظمة عبر الشارع، وهي فكرة عملت هذه الدول على تقويضها داخلياً.
أما باكستان، فقد أكدت أن استقرار إيران وسلمها يصبان في مصلحة إسلام آباد. ويرى محللون أن أي فراغ أمني أو مساحة غير خاضعة للحكم قرب الحدود الإيرانية سيعزز نشاط المسلحين في إقليم بلوشستان المضطرب، ما يشكل تهديداً أمنياً بالغ الخطورة ويضيف عبئاً جديداً إلى التحديات الداخلية الباكستانية.