سخر ماسك من التسمية الإنجليزية الرسمية للمجلس، قائلًا إن الاسم أوحى له للوهلة الأولى بكلمة "Piece" (قطعة) بدلًا من "Peace" (سلام).
على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سخر الملياردير إيلون ماسك من "مجلس السلام" الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيسه مؤخرًا، مستخدمًا تلاعبًا لفظيًا شكّك من خلاله في جدية المشروع الموصوف بأنه رفيع المستوى.
وتكتسب هذه السخرية أهمية خاصة في ظل العلاقة المتقلبة بين ماسك وترامب منذ عام 2025، والتي انتقلت من تعاون داخل أروقة الحكم إلى سجالات علنية حادة.
وفي دافوس، حيث تتنافس النخب السياسية والاقتصادية على فرض سردياتها، قد تكون عبارة واحدة كافية لإعادة رسم المشهد. ففي مقطع فيديو متداول على منصة "إكس"، سخر ماسك من التسمية الإنجليزية الرسمية للمجلس، قائلًا إن الاسم أوحى له في الوهلة الأولى بكلمة "Piece" (قطعة) بدلًا من "Peace" (سلام).
ومضى في تهكمه ملمّحًا إلى أن المشروع لا يبدو معنيًا بصناعة السلام بقدر ما يثير إيحاءات بتقاسم "قطع صغيرة" من مناطق مثل غرينلاند أو فنزويلا، في إسقاط ساخر على منطق الغنائم الإقليمية أكثر منه على الدبلوماسية.
ما هو "مجلس ترامب للسلام" - ولماذا يتعرض للانتقاد؟
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسميًا عن تأسيس "مجلس السلام" خلال مشاركته في منتدى دافوس، مقدّمًا إياه كمبادرة تهدف إلى معالجة النزاعات الدولية، وسط حديث متزايد عن كونه إطارًا بديلًا أو موازيًا لمنظومة الأمم المتحدة.
غير أن المشروع واجه منذ لحظاته الأولى موجة انتقادات، أبرزها تمحور المجلس حول ترامب نفسه، وهيمنة البعد الرئاسي على بنيته وآليات عمله، بما يطرح تساؤلات حول استقلاليته وحياده.
كما أثار التصور المالي للمجلس دهشة واسعة على الصعيد الدولي.
فبحسب وكالة "رويترز"، لن تتمتع الدول بعضوية دائمة إلا لفترة محدودة، في حين يمكن لمساهمة مالية تصل إلى مليار دولار أن تفتح الباب أمام وضع شبه دائم. وهو ما عزز الاتهامات بأن المبادرة أقرب إلى نادٍ حصري تُقاس فيه درجة النفوذ وحجم التأثير بالقدرة المالية، أكثر مما تستند إلى قواعد الدبلوماسية التقليدية.
ويضاف إلى ذلك أن عددًا من الدول الموقعة تديرها أنظمة ذات طابع استبدادي.
وفي ظل تقديم ترامب للمجلس بوصفه حجر زاوية في رؤيته للسياسة الخارجية، تكتسب أي مداخلة علنية بشأنه أهمية مضاعفة، لا سيما حين تصدر عن إيلون ماسك تحديدًا، الذي لا يُنظر إليه كمراقب من الخارج فحسب، بل كشخصية كانت جزءًا من دوائر النفوذ خلال فترة من الولاية الثانية لترامب.
ترامب وماسك: علاقة متقلبة
خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، قدّم إيلون ماسك دعمًا ماليًا واسعًا لدونالد ترامب تجاوز 230 مليون دولار، ليصبح بذلك أكبر متبرع فردي له، في وقت سخّر فيه منصة "إكس" بوصفها مكبرًا إعلاميًا عالي التأثير لتضخيم رسائل ترامب وخطابه السياسي.
ومع انطلاق إدارة ترامب، تولّى ماسك رئاسة "إدارة الكفاءة الحكومية" (DOGE)، قبل أن ينهي مهامه نهاية مايو/أيار 2025 عقب انتهاء وضعه القانوني كـ"موظف حكومي خاص".
غير أن العلاقة لم تكن خالية من التوترات حتى قبل ذلك. فقد شهد ربيع 2025 أولى الاحتكاكات العلنية، حين وجّه ماسك إهانات مباشرة لمستشار ترامب التجاري بيتر نافارو. ثم جاءت القطيعة الأوضح بعد فترة قصيرة من مغادرته DOGE، إذ شنّ ماسك هجومًا مباشرًا على قانون الضرائب والإنفاق الذي أقرّه ترامب، ما أطلق سلسلة من التصعيد المتبادل.
وبحلول صيف 2025، تحولت الخلافات إلى مواجهة مفتوحة، ألمح خلالها ترامب إلى إمكانية إعادة النظر في وضع ماسك القانوني داخل الولايات المتحدة، كما وضع الإعانات والعقود الحكومية الممنوحة لشركاته تحت المجهر، في مؤشر على انتقال الصراع من الخلاف السياسي إلى صراع نفوذ ومصالح.
وفي خريف عام 2025، أوحى الطرفان بعودة نسبية إلى تهدئة التوتر، إذ ظهر إيلون ماسك في مأدبة عشاء أقامها ولي العهد السعودي في البيت الأبيض، في مشهد لافت تبادلا خلاله إشارات ودّ علنية، من بينها تربيتة واضحة من ترامب على كتف ماسك.
ومنذ ذلك الحين، بات مراقبون يصفون العلاقة بين الرجلين بأنها أقرب إلى "هدنة هشة" أو تحالف مصلحة غير مضمون، يدرك فيه كل طرف حجم الضرر السياسي والإعلامي الذي يمكن أن يُلحقه بالآخر في حال تجدد الصدام.
ومع ذلك، لا تزال مؤشرات التداخل قائمة، إذ ألمح ماسك بالفعل إلى استعداده لحشد تمويلات ضخمة مجددًا لصالح مرشحين جمهوريين، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ما يعكس استمرار منطق البراغماتية السياسية رغم الخلافات السابقة.
لماذا تكتسب عبارة دافوس هذا الوزن الآن؟
في ضوء هذه الخلفية المعقّدة، تتجاوز تورية إيلون ماسك في دافوس كونها تعليقًا ساخرًا عابرًا، إذ تشكّل إشارة سياسية محسوبة تفيد بأن العلاقة مع دونالد ترامب، مهما بدت هادئة تكتيكيًا في بعض اللحظات، تظل قابلة للانقلاب في أي وقت. والأهم أن ماسك لا يُظهر أي تردّد في السخرية العلنية من أكثر مشاريع ترامب طموحًا وحساسية.
وتزداد حساسية هذه الإشارة بالنسبة لترامب لأن "مجلس السلام" لا يزال في طور البحث عن تعريف واضح لدوره، ومصادر شرعيته، والقيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها مقارنة بالمؤسسات الدولية القائمة.
أما بالنسبة إلى ماسك، فتأتي هذه اللحظة بمثابة استعراض نفوذ من نوع خاص، إذ تؤكد أنه، رغم قربه السابق من دوائر الحكم، لا يقيّد نفسه بدور الشريك المطيع، بل يحتفظ بقدرة دائمة على التحول إلى معلّق وناقد علني متى اقتضت مصلحته أو حساباته.
تصعيد مفتوح: ماسك في مواجهة جديدة مع "رايان إير"
بعيدًا عن لحظة دافوس، يبدو إيلون ماسك منخرطًا في مسار تصادمي واضح على أكثر من جبهة. فمؤخرًا، دخل في سجال علني حاد مع الرئيس التنفيذي لشركة "رايان إير"، مايكل أوليري، على خلفية الجدل حول استخدام خدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك" على متن الطائرات.
وكان أوليري قد وصف ماسك علنًا بـ"الأحمق"، ليرد الأخير عبر منصة "إكس" بوصف أوليري بأنه "أحمق تمامًا" داعيًا إلى إقالته. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أطلق ماسك استفتاءً ساخرًا على المنصة نفسها تساءل فيه عمّا إذا كان ينبغي عليه شراء "رايان إير"، ما أدى إلى تحرّك مؤقت في سعر سهم الشركة.
ويعود جوهر الخلاف إلى رفض أوليري إدخال خدمة الإنترنت اللاسلكي على متن طائرات "رايان إير"، مبررًا ذلك بالكلفة المرتفعة، التي قد تصل، بحسب تقديره،إلى نحو 250 مليون دولار سنويًا. كما شكك في جدوى الاستثمار، متسائلًا عمّا إذا كان ركاب الرحلات القصيرة للشركة منخفضة التكلفة مستعدين أصلًا للدفع مقابل خدمة الإنترنت أثناء الطيران.