من المتوقع أن يلقى الاجتماع الأول للمجلس اهتمامًا واسعًا من قادة العالم والمنظمات الدولية، لما قد يترتب على نتائجه من تأثير على إدارة الأزمات وجهود بناء السلام في مناطق النزاع.
تلقى عدد من قادة العالم دعوة للمشاركة في الاجتماع الافتتاحي لـ"مجلس السلام"، الذي سيعقد في 19 فبراير/شباط الجاري، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيسه في خطوة تهدف إلى الدفع بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة.
وتأتي هذه المبادرة في إطار خطة أمريكية أشارت إلى رغبتها في إنشاء آلية جديدة لإدارة النزاعات في العالم، على الرغم من الانتقادات الدولية والجدل المحيط بمسألة غزة.
وبدأت إدارة ترامب التواصل مع عشرات الدول لدعوة قادتها إلى الاجتماع الأول للمجلس، فيما امتنع البيت الأبيض عن التعليق الرسمي بشأن التفاصيل النهائية للتحضيرات.
وأفاد مسؤولون أمريكيون ودبلوماسيون بأن الاجتماع سيشهد مشاركة الدول الراغبة في الترتيبات اللوجستية والتمويلية، على أن يتم الإعلان لاحقًا عن جدول الأعمال الرسمي.
أهداف المجلس ومحتوى الميثاق
ووفق مسودة ميثاق المجلس، يُعرّف "مجلس السلام" بأنه منظمة دولية دائمة تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد، وضمان تحقيق السلام الدائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع. ويمنح الميثاق الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة تشمل القدرة على دعوة الدول، وتعيين الأعضاء، وإلغاء مشاركتهم، ما أثار انتقادات واسعة واعتُبره مناورة لتجاوز دور الأمم المتحدة التقليدي.
وينتقد الميثاق ضمنيًا الهيئات الدولية القائمة، مؤكدًا الحاجة إلى "هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام"، وإلى شجاعة للتخلي عن المؤسسات التي اعتُبرت فشلت مرارًا في حل النزاعات العالمية.
ورغم أن إنشاء المجلس جاء في سياق خطة أمريكية لإنهاء الحرب في غزة، إلا أن المسودة لم تذكر القطاع صراحة، على الرغم من الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها نحو 2.4 مليون نسمة هناك، بينهم 1.5 مليون نازح.
كما يشترط الميثاق رسومًا مرتفعة تبلغ مليار دولار لكل دولة ترغب في الحصول على مقعد دائم في المجلس، ما أضاف عنصرًا آخر للجدل الدولي حول مشاركة الدول في هذا الجسم الجديد.
استجابة الدول المدعوة
تلقى العديد من قادة العالم دعوات لحضور الاجتماع، وأسفرت الردود عن انقسامات واضحة بين مرحب ورافض أو متحفظ. ومن الدول التي أكدت حضورها الأرجنتين برئاسة خافيير ميلي والمجر بقيادة فيكتور أوربان. أما رومانيا، فقد أعلنت أنها لم تحسم موقفها بعد، مشيرة إلى أنها ستدرس الانضمام بعد مراجعة ميثاق المجلس، كونها ليست عضوًا رسميًا فيه لكنها ترغب في المشاركة.
في المقابل، رفضت فرنسا وإيطاليا والتشيك وكرواتيا الانضمام، مستندة إلى أسباب سياسية ودستورية. وأوضح وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أن الدستور الإيطالي لا يسمح للبلاد بالانضمام إلى منظمة يقودها زعيم واحد، بينما شدد رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش على أن قراره سيتخذ بالتشاور مع الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي.
وأكد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أن هذه الخطوة تمثل محاولة لترسيخ "أحادية" المجلس على حساب التعددية، معربًا عن قلقه من تأثير المجلس على دور الأمم المتحدة.
كما دعا لولا إلى تعزيز التعاون متعدد الأطراف بدلًا من إنشاء هيئة جديدة يهيمن عليها قائد واحد.
خلفية المجلس
أعلن ترامب عن تأسيس "مجلس السلام" في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير/كانون الثاني، كجزء من خطة أكبر لإدارة النزاعات العالمية وإنهاء الحرب في غزة، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لتشكيل هيئة منافسة للأمم المتحدة.
ويصبح المجلس رسميًا بعد موافقة ثلاثة دول على ميثاقه، على أن تُتخذ القرارات بالأغلبية، مع إبقاء السلطة النهائية للولايات المتحدة على جميع القرارات الأساسية.
ويصف الميثاق المجلس بأنه قادر على المساهمة في حل النزاعات المسلحة حول العالم، وليس فقط غزة، على الرغم من أن المبادرة الأمريكية جاءت على خلفية الصراع في القطاع الفلسطيني، الذي يعاني من أزمات إنسانية واقتصادية عميقة بعد الحرب الأخيرة.
ويشير محللون إلى أن المجلس يمثل تجربة جديدة في الإدارة الدولية للنزاعات، لكنه يواجه تحديات كبيرة من حيث المصداقية والدعم الدولي، خصوصًا في ظل انتقادات عدد من القوى الكبرى التي ترى فيه تهديدًا لدور الأمم المتحدة.
تداعيات المحتمل للجدل الدولي
وسط هذه الانقسامات، من المتوقع أن يكون الاجتماع الأول للمجلس محط متابعة دقيقة من قادة العالم والمنظمات الدولية، خاصة وأن النتائج التي ستخرج بها ستؤثر على مستقبل إدارة الأزمات العالمية وآليات بناء السلام في مناطق النزاع.
كما يواجه المجلس تحديًا في تحقيق التوازن بين الدول الراغبة في المشاركة، وتلك التي تخشى من التفرد الأمريكي في اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى التحديات المتعلقة بالتمويل والالتزام الدولي.
ومع اقتراب موعد الاجتماع، تظل المسألة الإنسانية في غزة محور اهتمام رئيسي، حيث يعيش سكان القطاع تحت ظروف صعبة، ويترقب المجتمع الدولي كيف ستتعامل هذه الهيئة الجديدة مع الأزمة، وما إذا كان يمكن أن تقدم حلولًا ملموسة دون الإضرار بالتعددية الدولية أو بإضعاف الأمم المتحدة.