عُقدت في جنيف، الثلاثاء، الجولة الثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني، في وقت أعلنت فيه طهران أنها ستغلق مضيق هرمز لعدة ساعات لإجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية، بالتزامن مع تعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري في المنطقة.
وفي تصريحات أعقبت الاجتماع، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجواء المحادثات بأنها "بنّاءة"، مشيرًا إلى أنه جرى طرح أفكار مختلفة ومناقشتها بجدية بين الجانبين.
وأكد عراقجي أن الجولة الحالية شهدت تطورات إيجابية مقارنة بالجولة الماضية، إلا أنه شدد على أن هذه المؤشرات "لا تعني أننا سنتوصل إلى اتفاق قريبًا مع واشنطن"، معتبرًا أن المسار التفاوضي قد بدأ فعليًا لكنه لا يزال في مراحله الأولى.
وأوضح أن الطرفين توصلا إلى اتفاق عام بشأن مجموعة من المبادئ التوجيهية التي سيُبنى عليها نص الاتفاق المحتمل، لافتًا إلى أنه سيتم العمل على إعداد نسختين من وثيقة الاتفاق وتبادلهما لمراجعتهما.
وأشار إلى أن هناك مسائل عالقة تتطلب مزيدًا من المعالجة من كلا الطرفين قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في التفاوض.
مسار تفاوضي حذر
انتهت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة في جنيف بين إيران والولايات المتحدة، في مسار تفاوضي يتقدّم بخطوات حذرة وسط رسائل سياسية متبادلة تعكس تمسّك كل طرف بسقوفه التفاوضية.
وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني أن جولة المحادثات، التي بدأت قرابة الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت جنيف (09:00 بتوقيت غرينتش)، امتدت إلى نحو ثلاث ساعات.
والجولة التي انطلقت في وقت سابق الثلاثاء ركّزت، وفق المعطيات المتوافرة، على الجوانب التقنية للمفاوضات، بما يشمل المسائل القانونية والاقتصادية المرتبطة بالملف النووي. ويعكس هذا التركيز انتقال المحادثات إلى مستوى أكثر تفصيلًا، بعد وضع الأطر العامة في الجولة الأولى.
وترأس وزير الخارجية عباس عراقجي الوفد الإيراني، الذي ضم فريقًا من الخبراء في الشؤون النووية والقانونية والاقتصادية للمشاركة في هذه المرحلة من المحادثات. وعلى الجانب الأمريكي، يقود الفريق المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنر.
وعبر منصة "إكس"، أعلن عراقجي أنه انضم إلى خبراء نوويين لإجراء "نقاش تقني معمّق" مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الموجود أيضًا في جنيف. وكتب: "أنا في جنيف بأفكار واقعية للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف. ما ليس مطروحًا على الطاولة هو الاستسلام أمام التهديدات"، في إشارة تعكس تمسّك طهران بشروطها التفاوضية.
وتأتي هذه الجولة الثانية من المفاوضات النووية غير المباشرة بين طهران وواشنطن بوساطة عُمانية، بعد نحو أسبوعين على انعقاد الجولة الأولى في مسقط. وقبيل تبادل الرسائل بين الوفدين، عقد كل من الجانبين اجتماعات منفصلة مع وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في السفارة العُمانية في جنيف، في إطار الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر ودفع المسار التفاوضي قدمًا.
تهديد بإغلاق مضيق هرمز
مع بدء المحادثات التي أجراها الطرفان، أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن إيران أطلقت صواريخ حية باتجاه مضيق هرمز، مشيرة إلى أنها ستغلق المضيق لعدة ساعات "لدواعٍ تتعلق بالسلامة والملاحة البحرية".
وتُعدّ هذه المرة الأولى التي تُغلق فيها إيران أجزاءً من المضيق، وهو ممر مائي دولي حيوي، منذ بدأت الولايات المتحدة توجيه تهديدات عسكرية لطهران.
هذا ولوّحت إيران اليوم بإمكانية إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي إذا صدر قرار بذلك من القيادة العليا في البلاد.
وأكد قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، الأدميرال علي رضا تنغسيري، خلال إشرافه على مناورات عسكرية واسعة النطاق تجري حاليًا في المضيق، أن قواته قادرة على تنفيذ أي قرار يصدر عن القيادة السياسية والعسكرية متى طُلب منها ذلك، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية.
وأشار تنغسيري إلى أن الأسلحة التي يمكن استخدامها في ظروف الحرب ستكون "مختلفة تمامًا" عن تلك التي جرى عرضها ضمن المناورات الجارية، في إشارة إلى امتلاك طهران قدرات إضافية لم تُكشف تفاصيلها خلال التمرين العسكري الحالي.
وكانت إيران قد أعلنت، الاثنين، تنفيذ مناورات بحرية في ممرات مائية تُشكّل شرايين أساسية للتجارة العالمية، يمر عبرها نحو 20% من إمدادات النفط في العالم. كما سبق أن أجرت تدريبات بالذخيرة الحية في مضيق هرمز قبل أسابيع عدة، من دون أن تعلن في حينه عن أي إغلاق.
رسائل تحذير لواشنطن
صعّد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي لهجته تجاه الولايات المتحدة على خلفية تعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط، موجّهًا رسائل تحذيرية واضحة.
ونقل التلفزيون الرسمي الإيراني عنه قوله إن "السفينة الحربية جهاز خطير، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في أعماق البحر"، في إشارة مباشرة إلى القدرات العسكرية الإيرانية.
كما نبّه إلى أن "فرض نتيجة المحادثات مسبقًا عمل خاطئ وأحمق"، محذرًا واشنطن من استباق مسار التفاوض أو محاولة فرض شروطه بالقوة.
من جهته، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، قبيل انطلاق المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة أن هذه الجولة ستقتصر حصريًا على الملف النووي. واعتبر أن رفع العقوبات يُعد جزءًا لا يتجزأ من أي اتفاق محتمل بشأن هذا الملف، مؤكدًا أن هذه المسألة تشكّل ركيزة أساسية في مسار التفاوض.
وأوضح بقائي أن الوقت "بالغ الأهمية وحاسم" بالنسبة لإيران، مضيفًا أن عراقجي يشدد باستمرار على استعداد طهران للبقاء في موقع التفاوض "لبضعة أيام أو حتى أسابيع" إذا اقتضى الأمر، بهدف إنجاز اتفاق.
وعبّر عن أمل بلاده في أن يُبدي الوفد الأمريكي "المستوى نفسه من الجدية وحسن النية" خلال المحادثات.
تعزيزات عسكرية أمريكية
أعلن الرئيس الأمريكي، الأسبوع الماضي، إرسال حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد"، الأكبر في العالم، من البحر الكاريبي إلى الشرق الأوسط، للانضمام إلى سفن حربية وأصول عسكرية أخرى عززت بها الولايات المتحدة وجودها في المنطقة.
وستنضم "فورد" إلى حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" والمدمرات المزودة بصواريخ موجهة المرافقة لها، والتي تتمركز في المنطقة منذ أكثر من أسبوعين.
وكانت القوات الأمريكية قد أسقطت طائرة مسيّرة إيرانية اقتربت من "لينكولن" في اليوم نفسه الذي حاولت فيه إيران اعتراض سفينة ترفع العلم الأمريكي في مضيق هرمز.
في المقابل، حذرت دول عربية في الخليج من أن أي هجوم محتمل قد ينزلق إلى نزاع إقليمي جديد في شرق أوسط يرزح أصلًا تحت تداعيات الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة.
وتسعى إدارة ترامب إلى التوصل لاتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويضمن عدم تطوير طهران سلاحًا نوويًا، فيما تؤكد إيران أنها لا تنوي امتلاك أسلحة نووية، وقد رفضت حتى الآن مطالب وقف تخصيب اليورانيوم أو التخلي عن مخزونها منه.