أدت الهجمات المشتركة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ السبت، وما تبعها من ردود إيرانية، إلى وصول أسعار النفط إلى أعلى مستوى له منذ يناير/ كانون الثاني 2025.
يشهد قطاع الطاقة في الخليج تصعيدًا غير مسبوق، بعد تعرض منشآت حيوية في كلٍّ من قطر والسعودية لهجمات إيرانية، ما دفع إلى إجراءات احترازية شملت وقفًا جزئيًا أو كليًا للإنتاج في بعض المرافق، وسط مخاوف من تداعيات واسعة على أسواق الطاقة العالمية.
وفي قطر، أعلنت قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال إثر هجوم عسكري استهدف مرافقها التشغيلية في مدينتي رأس لفان ومسيعيد.
وكانت وزارة الدفاع القطرية قد أكدت أن مسيّرتين قادمتين من إيران استهدفتا منشآت للطاقة، إحداهما طالت خزانًا تابعًا لمصنع مياه ضمن منشآت مسيعيد جنوبي الدوحة، فيما استهدفت الثانية أحد مرافق الطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية شمال شرق العاصمة، دون تسجيل خسائر بشرية.
وأوضحت السلطات أن الجهات المختصة باشرت حصر الأضرار والخسائر المادية، داعية المواطنين والمقيمين إلى الالتزام بالتعليمات الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات.
والأحد، أعلنت وزارة الداخلية القطرية تسجيل ثماني إصابات جديدة، ليرتفع إجمالي الإصابات منذ بدء الهجمات إلى 16 إصابة، إضافة إلى أضرار مادية محدودة في مواقع متفرقة.
ويكتسب استهداف رأس لفان أهمية خاصة، باعتبارها مركزًا رئيسيًا لإنتاج الغاز الطبيعي المسال الذي تمثل قطر فيه نحو 19% من التجارة العالمية.
وكانت الدوحة قد أطلقت خلال السنوات الماضية خطة توسعة ضخمة سترفع الطاقة الإنتاجية من 77 إلى 160 مليون طن سنويًا، منها 142 مليون طن من حقل الشمال، بما يعزز موقعها كمصدر رئيسي لنحو 40% من الإمدادات العالمية الجديدة خلال العقد المقبل.
كما تنفذ الشركة أكبر برنامج لبناء ناقلات الغاز في تاريخ الصناعة، يشمل 128 ناقلة جديدة، ليرتفع الأسطول إلى قرابة 200 ناقلة، إلى جانب توسع كبير في قطاع البتروكيماويات.
مصفاة تابعة لـ "أرامكو"
وفي السعودية، أعلنت وزارة الطاقة إيقاف بعض الوحدات التشغيلية في مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة "أرامكو" السعودية، إحدى أكبر الشركات النفطية في العالم بعد تعرضها لهجوم بطائرتين مسيرتين، تمكنت الدفاعات الجوية من اعتراضهما.
وقال متحدث وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي، إنه تم "اعتراض وتدمير مسيّرتين حاولتا مهاجمة مصفاة رأس تنورة صباح الاثنين".
وأشار إلى اندلاع حريق محدود جراء سقوط شظايا عملية الاعتراض، دون وقوع إصابات بين المدنيين، وفق ما نقلته قناة العربية السعودية.
وأضاف أن عملية الاعتراض تسببت بسقوط الشظايا بالقرب من الأعيان المدنية والمدنيين.
من جانبها، نقلت وكالة الأنباء السعودية "واس" عن مصدر مسؤول بوزارة الطاقة، أن المصفاة في رأس تنورة تعرضت لأضرار محدودة جراء سقوط شظايا الاعتراض.
وذكر المصدر أنه جرى إيقاف بعض الوحدات التشغيلية في المصفاة بصورة احترازية، دون أن تتأثر إمدادات البترول ومشتقاته للأسواق المحلية.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة بمنصات التواصل تصاعد الدخان من المصفاة.
وتعد المصفاة جزءًا من مجمع ضخم على الساحل الشرقي للمملكة، وتديرها أرامكو السعودية، أكبر شركة نفط في العالم من حيث الإنتاج.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمصفاة رأس تنورة نحو 550 ألف برميل يوميًا، فيما يُعد الميناء المجاور أحد أكبر موانئ تصدير النفط عالميًا.
ويمثل استهداف رأس تنورة تصعيدًا خطيرًا في نظر محللين، إذ أصبحت البنية التحتية للطاقة في الخليج هدفًا مباشرًا في خضم المواجهة الإقليمية.
وكانت منشآت نفطية سعودية قد تعرضت في السابق لهجمات مماثلة، أبرزها هجمات عام 2019 التي أدت إلى توقف مؤقت لنحو نصف إنتاج المملكة من الخام، إضافة إلى هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق أخرى في السنوات اللاحقة.
ارتفاع أسعار الطاقة
أدت الهجمات المشتركة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ السبت، وما تبعها من ردود إيرانية، إلى وصول أسعار النفط إلى أعلى مستوى له منذ يناير/ كانون الثاني 2025.
وارتفع سعر خام "برنت" بنسبة تقارب 8.5 بالمئة ليصل إلى 79.19 دولارا للبرميل في تمام الساعة 11:56 بالتوقيت المحلي لتركيا الاثنين.
كما صعد خام "ويست تكساس إنترمديت" بنسبة 8.1 بالمئة إلى 72.60 دولارا للبرميل في التوقيت نفسه.
ومع بلوغ المخاطر الأمنية في مضيق هرمز ذروتها نتيجة الغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، توقفت حركة ناقلات النفط تماما، وتكدس أكثر من 700 سفينة على جانبي المضيق.
ويعد هذا الممر البحري الواقع عند مدخل الخليج العربي شريانا استراتيجيا يربط صادرات الشرق الأوسط من النفط والغاز الطبيعي المسال بالأسواق العالمية عبر بحر عُمان والمحيط الهندي.
ويمر عبر المضيق نحو 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي اليومي للنفط، أي ما يقارب 20 مليون برميل، معظمها من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران.
وأُغلق مضيق هرمز فعليا عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، السبت، حيث رفعت شركات التأمين تكاليفها نظراً لارتفاع المخاطر، ما دفع شركات تشغيل السفن إلى تعليق عبورها المضيق.
ولم تقتصر القفزات على النفط، إذ ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بأكثر من 20 بالمئة مع بداية الأسبوع الجاري.
كما أفادت بلومبرغ بأن أسعار الغاز في أوروبا قفزت بنسبة 50% بعد توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر. من جانبها، ذكرت "إن بي سي" أن أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة ارتفعت بنحو 5.2%.
جدير بالذكر أن إيران تُعد ثالث أكبر منتج للنفط داخل منظمة "أوبك"، وتوفر ما بين 4 بالمئة و4.5 بالمئة من الإمدادات العالمية من الخام، بإنتاج يومي يقارب 3.3 ملايين برميل.
ويرى خبراء أن أي انخفاض محتمل في الإمدادات الإيرانية قد يُعوض جزئيا عبر الطاقة الاحتياطية لدى دول أوبك، إلا أن هذه الطاقة تقلصت مؤخرا بسبب سياسات زيادة الإنتاج.