مع الإعلان الرسمي عن رفع العقوبات الدولية دعماً للمرحلة الانتقالية، علّق السوريون آمالاً كبيرة بأن ينعكس ذلك فوراً على قدرتهم الشرائية. غير أن الواقع يشير إلى أن تأثير مثل هذه القرارات الكبرى يحتاج إلى "نفس طويل".
تحتفل سوريا هذا العام بعيد الفطر المبارك، وهو العيد الثاني الذي يهلّ على البلاد منذ التحول التاريخي بسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 .
في شوارع العاصمة دمشق، وتحديداً في أحياء الحمراء والشعلان والصالحية، يرسم المشهد لوحة فنية غريبة؛ حيث تتداخل ألوان الفرحة بالحرية الجديدة مع ظلال القلق الاقتصادي الثقيلة. الشوارع تغص بالحشود التي خرجت للاستمتاع بأجواء العيد، لكن حركة الشراء تبدو خجولة، وكأنها تتردد أمام جدار الأسعار المرتفع.
المشهد في الأسواق يحكي قصة تناقض صارخ. المواطنون يتجولون في ممرّات مزدحمة، تتأمل أعينهم البضائع المعروضة، وتسأل أيديهم عن الأسعار، ليتحسسوا غالباً جيوبهم الفارغة. إنه مشهد يعكس حالة "ترقب اقتصادي" واضحة؛ حيث تحُول الفجوة بين تدني قيمة العملة والارتفاع الجنوني في الأسعار، دون تحويل هذا الزخم البشري الهائل إلى حركة استهلاك حقيقية.
يصف مهند هزاع، الموظف السوري، هذه المفارقة بدقة متناهية قائلاً لـيورونيوز: "الحركة ما شاء الله ممتازة كتواجد للناس، موسم الأعياد حيث يتجلى فرح الناس وتمسكهم بطقوس اجتماعية راسخة. لكن كحركة بيع؟ هي محدودة وغير قوية. الأسعار غالية جداً، وتوافر القطع ليس وفيراً بالشكل المطلوب، وهذا خلق حالة من الشح والقلق في السوق".
فجوة الطبقات.. حين يختلف سعر البنطلون باختلاف الحي
في قلب حي الشعلان الراقي، يقدم أبو محمد الحبار، بائع ملابس متجول، قراءة واقعية ومؤلمة للفروق الطبقية التي باتت مرئية للعين المجردة في أسواق دمشق. يقول بحسرة ممزوجة بالواقعية لـيورونيوز: "البركة في الزحام (العجقة)، فعلاً هناك إقبال على المشاهدة، لكن معيشياً الأمر صعب جداً، وهذا يؤثر بشكل مباشر على الفقير. أما من يملك المال، فالموضوع لا يفرق معه كثيراً".
ويكشف الحبار عن واقع مؤلم يعكس تقسيماً اقتصادياً جغرافياً واضحاً داخل العاصمة نفسها: "في بنطلون يباع في منطقة باب الجابية الشعبية بسعر 50 ألف ليرة (نحو 5 دولارات)، تجد نفس النوع أو مشابهه في حي الشعلان يُباع بـ 600 ألف ليرة (نحو 50 دولاراً). كل مواطن يشتري من المكان الذي تتناسب أسعاره مع قدرته الشرائية".
بين رفع العقوبات وواقع لم ينعكس على جيب المواطن السوري
مع الإعلان الرسمي عن رفع العقوبات الدولية دعماً للمرحلة الانتقالية، علّق السوريون آمالاً كبيرة بأن ينعكس ذلك فوراً على قدرتهم الشرائية. غير أن الواقع يشير إلى أن تأثير مثل هذه القرارات الكبرى يحتاج إلى "نفس طويل". فبينما تحاول الاستثمارات الخارجية العودة وتدور عجلة الاقتصاد ببطء في طور التكوين، يعيش المواطن يومه المرير مع عملة متدنية وأسعار تحلّق في السماء.
وهنا يكمن جوهر المأساة الحالية: زحام بشري يعكس رغبة جامحة في الخروج والاحتفال بأجواء العيد بعد سنوات من العزلة، مقابل حركة شراء شبه مشلولة أمام جيوب أنهكها الغلاء.
ابتسامة تحررت من الخوف
رغم كل الصعوبات الاقتصادية، ثمة عنصر جديد كلياً في معادلة العيد هذا العام: وهو "المزاج العام". إذ يلاحظ المتجوّل في شوارع دمشق تغيراً لافتاً بدا على وجوه السوريين. يصف محمود أبو علي، أحد سكان دمشق، هذا التحول الروحاني والاجتماعي قائلاً لـيورنيوز: "كثير من الأشياء تحسنت في البلد. لو نظرت حولك ستجد العالم فرحانة. لقد زال ذلك الخوف الذي كان يسكن داخل البشر لعقود؛ العالم لم تعد خائفة".
وفي زاوية صغيرة بشارع الشعلان، يقف سعيد طحان، بائع المعجنات الساخنة، يراقب المارة بتفاؤل حذر ويعلق: "الوضع في تحسن ملحوظ مقارنة بالعام الماضي من ناحية الإقبال، والأهم من وجوه الناس التي بدأت تضحك بصدق".
ورغم الفرحة يبقى العيد مثقلا بظلال الحرب الإقليمية بين إيران وإسرائيل وتداعياتها الاقتصادية القاسية، مكمّلاً لشهر رمضان المرير الذي عانى فيه السوريون من شح الغاز والكهرباء وواقع أمني منفلت بسبب كثرة الجرائم التي تُرتكب.
ويعكس إصرار الناس على الاحتفال وسط هذا المشهد صموداً استثنائياً، لكنه في الوقت ذاته يبعث رسالة تحذيرية واضحة بأن هذه الابتسامة الهشة قد تتلاشى ما لم يتحول الاستقرار السياسي فوراً إلى أمن حقيقي وراحة معيشية ملموسة.