في واحدة من أعنف محطات الحرب منذ اندلاعها، شهد لبنان تصعيداً عسكرياً واسعاً عقب هجوم إسرائيلي غير مسبوق، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، وسط تباين سياسي حاد بشأن مسار التهدئة، وتكثيف المواقف المحلية والإقليمية التي عكست حجم التوتر المتصاعد.
شنّت إسرائيل اليوم هجوماً واسعاً استهدف مناطق متعددة في لبنان، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى وفق معطيات أولية، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران يمتد لأسبوعين.
وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذه "أكبر موجة غارات" منذ بدء هجومه، مدعياً استهداف "100 موقع وبنية تحتية عسكرية خلال 10 دقائق" في مناطق متفرقة، شملت بيروت ووادي البقاع وجنوب لبنان، واستهدف ما وصفه بـ"مراكز استخبارات" وبنى مرتبطة بأنظمة إطلاق النار وقدرات بحرية، إضافة إلى مواقع لقوة الرضوان والوحدة 127.
في المقابل، أفاد وزير الصحة اللبناني ركان نصر الدين بسقوط مئات الضحايا بين قتلى وجرحى، فيما أكدت وزارة الصحة أن المستشفيات تواجه ضغطاً هائلاً نتيجة ارتفاع أعداد المصابين.
مواقف لبنانية وإقليمية
دان الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الأربعاء، الهجمات الإسرائيلية على لبنان، معتبراً أنها اعتداءات "همجية" لا تحترم القوانين الدولية ولا تلتزم بأي اتفاقات أو تعهدات، في إشارة إلى ما وصفه بسجل متكرر من الانتهاكات خلال الأشهر الماضية. وأكد أن هذه الخروقات، التي تكررت على مدى خمسة عشر شهراً من اتفاق وقف الأعمال العدائية، عكست استخفافاً واضحاً بالأعراف الدولية من دون أي رادع.
وأشار عون إلى أن إسرائيل "تمضي مجدداً في عدوانها"، مرتكبة ما وصفه بـ"مجزرة جديدة" تُضاف إلى سجلها، في تحدٍ مباشر للقيم الإنسانية، ومقوضةً في الوقت نفسه كل الجهود المبذولة لتحقيق التهدئة والاستقرار. واعتبر أن هذا التصعيد الخطير يحمّل إسرائيل كامل المسؤولية عن تداعياته، محذراً من أن استمرار هذه السياسات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وانعدام الاستقرار، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التهدئة واحترام الالتزامات الدولية.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس اللبناني على إدانة هذه الهجمات "بأشد العبارات"، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته والتحرك لوقف الاعتداءات المتكررة، ووضع حد لما وصفه بالنهج العدواني الذي يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.
بدوره، أدان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الغارات الإسرائيلية التي استهدفت "أحياء سكنية مكتظة"، متهماً إسرائيل بالتسبب في مئات الإصابات في لبنان، ولا سيما في بيروت، نتيجة موجة واسعة من الضربات الجوية بعد ظهر اليوم.
وقال سلام، في منشور عبر منصة "إكس"، إن هذه الهجمات تأتي في وقت رحّب فيه لبنان باتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وعزّز جهوده للتوصل إلى تهدئة داخلية، إلا أن إسرائيل، وفق تعبيره، "تواصل توسيع هجماتها" من دون أي اعتبار للجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب، وفي تجاهل تام للقانون الدولي والقانون الإنساني.
وختم سلام بدعوة "أصدقاء لبنان" إلى التدخل والمساعدة في وضع حد لهذه الاعتداءات "بكل الوسائل المتاحة"، في ظل تصاعد حدة العمليات العسكرية وتفاقم تداعياتها الإنسانية.
إقليمياً، حذّر السفير الإيراني في جنيف علي بحريني من أن أي هجوم إضافي على لبنان سيعقّد الوضع، فيما أعلنت الخارجية الإيرانية أن وزيرها عباس عراقجي بحث انتهاك وقف إطلاق النار في إيران ولبنان مع قائد الجيش الباكستاني.
ردّ إيراني على الضربات؟
أفاد مصدر أمني عسكري مطلع لوكالة "فارس" أن إيران تعمل حاليا على وضع اللمسات الأخيرة لتنفيذ عملية رد تستهدف مواقع عسكرية إسرائيلية، وذلك في ظل ما وصفه باستمرار خرق وقف إطلاق النار المؤقت من جانب إسرائيل في لبنان.
وأوضح المصدر أن هناك توجها متزايدا في طهران يرى أن استمرار الهجمات رغم الاتفاق على مختلف الجبهات قد يشير إلى عدم قدرة الولايات المتحدة على ضبط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو إلى أن القيادة المركزية الاميركية منحت إسرائيل هامشا للتحرك.
وقد برز تضارب واضح في تفسير اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، إذ أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الاتفاق لا يشمل لبنان، بينما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أنه يشمل "كل مكان بما في ذلك لبنان"، وهو ما تؤيده طهران.
كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول مشارك في المفاوضات أن لبنان مشمول بالاتفاق، ما يعكس تبايناً في فهم بنوده.
وكان الحزب قد دعا السكان إلى عدم التوجه للمناطق المستهدفة قبل إعلان رسمي ونهائي، محذراً من احتمال لجوء إسرائيل إلى "محاولات غدر" لخلق مشهد ميداني مضلل.
تهديدات واستمرار العمليات
اتهم الجيش الإسرائيلي حزب الله بإعادة الانتشار داخل بيروت، مشيراً إلى أنه رصد مغادرة عناصره من الضاحية الجنوبية نحو مناطق أخرى في العاصمة والمناطق المختلطة، معتبراً أن "الدمار الذي جلبه حزب الله إلى الضاحية سينتقل معه"، وداعياً اللبنانيين إلى عدم السماح بذلك، وفق ما قال المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي.
كما أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير أن العمليات العسكرية ستستمر "من دون توقف"، مشدداً على أن استهداف حزب الله سيبقى قائماً كلما سنحت الفرصة، وأن إسرائيل لن تساوم على أمن سكان شمالها.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن مئات من عناصر حزب الله تعرضوا لهجوم مفاجئ في مقارهم ضمن "أكبر ضربة".
وأكد أن إسرائيل حذرت الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم من أن الحزب سيدفع "ثمناً باهظاً" لمهاجمته إسرائيل نيابة عن إيران، ومشيراً إلى أن الفصل بين الحرب مع إيران والقتال في لبنان هدفه "تغيير الواقع وإزالة التهديدات" في الشمال.