صعوبة فرض حصار بحري على إيران لا تنبع من توازن القوى التقليدي، بل من اختلاف قواعد اللعبة نفسها. فبينما تعتمد القوى الكبرى على التفوق العسكري المباشر، تراهن طهران على تكتيكات مرنة، مدعومة بجغرافيا معقدة وخبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة.
بعد فشل جولة مفاوضات مكثفة استمرت أكثر من 21 ساعة في إسلام آباد، عاد التوتر ليخيّم على العلاقات بين واشنطن وطهران، فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها ستبدأ، اعتباراً من 13 أبريل/نيسان عند الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي "الثانية مساءً بتوقيت غرينتش"، فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية، لكن، وبحسب تحليل نشرته Newsweek، فإن هذا الخيار، رغم ما يحمله من ثقل عسكري وسياسي، يصطدم بواقع ميداني معقد يجعل تنفيذه أقرب إلى التحدي شبه المستحيل.
الجغرافيا ترجّح كفة طهران
ترى الصحيفة أن المشكلة لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة العسكرية، بل بطبيعة البيئة التي تسعى للعمل فيها، فمضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 20 ميلاً، يمنح إيران أفضلية جغرافية نادرة، إذ يضع الممرات البحرية الحيوية تحت مرمى وسائلها الدفاعية والهجومية على حد سواء، في مثل هذا الحيز الضيق، لا تحتاج طهران إلى أساطيل ضخمة لفرض نفوذها، بل يكفيها الانتشار الذكي والقدرة على المناورة.
وتشير الصحيفة إلى أن جوهر التحدي يكمن في العقيدة العسكرية الإيرانية نفسها، والتي تخلت منذ عقود عن فكرة المواجهة التقليدية المباشرة، فبدلاً من محاولة مجاراة القوى البحرية الكبرى، طورت إيران نموذجاً يقوم على "تعطيل الخصم" لا "هزيمته"، هذا النموذج يعتمد على مزيج من الزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، إلى جانب الألغام البحرية، وهي أدوات منخفضة التكلفة لكنها قادرة على إحداث تأثير بالغ في بيئة حساسة كالمضيق.
الألغام البحرية.. سلاح الشلل البطيء
ضمن هذا السياق، تبرز الألغام البحرية كأحد أكثر عناصر القوة تعقيداً، فبحسب التقرير، لا تكمن خطورتها فقط في قدرتها التدميرية، بل في أثرها النفسي والاقتصادي، فمجرد الاشتباه بوجود ألغام في المياه كفيل بإرباك حركة الملاحة، نظراً لما تتطلبه عمليات الكشف والإزالة من وقت وجهد ومخاطر، وهنا تحديداً، يتحول التهديد إلى أداة شل غير مباشرة، توقف حركة السفن حتى دون استخدام فعلي للقوة.
ولا يقل عن ذلك أهمية دور الزوارق السريعة التي تشكل عماد العمليات غير التقليدية، خصوصاً لدى القوة البحرية التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني" هذه الزوارق، الصغيرة والسريعة، يصعب رصدها أو تعقبها، ويمكن أن تظهر وتختفي في بيئة مكتظة بحركة السفن المدنية، ما يمنحها قدرة عالية على تنفيذ هجمات مباغتة أو عمليات تحرش مستمرة تستنزف أي قوة تحاول فرض سيطرة كاملة.
وفي هذا السياق قال فرزين نديمي، الباحث البارز المتخصص في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لصحيفة وول ستريت جورنال ، إن أكثر من 60% من زوارق الهجوم السريع التابعة للحرس الثوري الإيراني لا تزال سليمة رغم أسابيع من الضربات الأمريكية، مضيفاً أن هذه الزوارق لا تزال تشكل تهديداً خطيراً للملاحة البحرية.
وتضيف "Newsweek" أن دخول الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة إلى هذا المشهد زاد من تعقيد المعادلة، فهذه الوسائل، القادرة على تنفيذ هجمات عن بعد وبدقة متزايدة، توسع نطاق التهديد من البحر إلى الجو، وتفرض على أي قوة بحرية حسابات أكثر تعقيداً في الدفاع والمراقبة.
وبحسب الصحيفة ازداد اعتماد إيران في الآونة الأخيرة على الطائرات المسيّرة المائية، وهي قوارب غير مأهولة محمّلة بالمتفجرات يمكن استخدامها لاستهداف ناقلات النفط والمنشآت المينائية، وقد وثّقت شركات الأمن البحري عدداً من الهجمات التي نُفذت بهذه الوسائل، في تطور يعكس أساليب مشابهة لتلك التي استخدمتها جماعة الحوثيين المدعومة من إيران في البحر الأحمر.
معركة لا تحتاج إيران للفوز بها
لكن المفارقة الأبرز، كما يوضح التحليل، هي أن إيران لا تحتاج إلى الانتصار في مواجهة بحرية تقليدية، فكل ما تحتاجه هو رفع مستوى المخاطر إلى حد يجعل استمرار الملاحة قراراً مكلفاً، في مثل هذه الظروف، قد تتوقف شركات الشحن وشركات التأمين عن العمل تلقائياً، وهو ما يحقق الهدف الاستراتيجي دون الحاجة إلى فرض حصار فعلي بالمعنى التقليدي.
وتؤكد الصحيفة أن أي محاولة لفرض حصار بحري فعال ستتطلب وجوداً عسكرياً دائماً ومكثفاً بالقرب من السواحل الإيرانية، وهو أمر يحمل في طياته تحديات لوجستية ومالية كبيرة، فضلاً عن مخاطر التصعيد، وحتى في ظل هذا الانتشار، تبقى احتمالات الهجمات المفاجئة أو عمليات التعطيل قائمة، ما يعني أن السيطرة الكاملة تظل هدفاً صعب المنال.
وتخلص الصحيفة في تحليلها إلى أن صعوبة فرض حصار بحري على إيران لا تنبع من توازن القوى التقليدي، بل من اختلاف قواعد اللعبة نفسها. فبينما تعتمد القوى الكبرى على التفوق العسكري المباشر، تراهن طهران على تكتيكات مرنة، مدعومة بجغرافيا معقدة وخبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة، ما يجعل من أي محاولة لعزلها بحرياً اختباراً قاسياً لقدرة القوة التقليدية على التعامل مع تهديد غير تقليدي.