ورغم ذلك، يواصل نتنياهو الدفاع عن سياساته، مؤكدًا أن إسرائيل حققت "إنجازات استراتيجية كبرى"، وأنها تمكنت من "إضعاف البرنامج النووي والصواريخ والنظام الإيراني"، على حد تعبيره.
بعد أكثر من ستة أسابيع على اندلاع المواجهة بين إسرائيل وإيران لم تنجح القوة العسكرية الإسرائيلية، رغم تفوقها الجوي والدعم الأمريكي، في تحويل العمليات الميدانية إلى نتائج سياسية واضحة تعزز موقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو داخليًا وخارجيًا، بحسب تحليل نشرته وكالة رويترز.
وكان الهدف المعلن من الحرب هو إضعاف إيران بشكل حاسم وفرض واقع جديد في المنطقة، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن طهران ما زالت تحتفظ بجزء كبير من قدراتها النووية والصاروخية، إضافة إلى استمرار قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات الاستراتيجية العالمية، وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
ورغم الضربات الجوية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية، والتي أسفرت عن مقتل عدد من القادة العسكريين، فإن بنية النظام الإيراني تبدو قادرة على الاستمرار، مع استمرار التوتر الإقليمي على عدة جبهات.
وفي السياق ذاته، لم تحقق إسرائيل أهدافها الكاملة في ملفات موازية، إذ لا تزال حركتا المقاومة في غزة ولبنان تحتفظان بقدرات عسكرية وتواصلان إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال العمليات العسكرية.
وقال داني سيترينوفيتش، الباحث في شؤون إيران بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إن "نتنياهو لم يحقق انتصارًا، بل هناك فشل استراتيجي وفجوة واضحة بين الوعود والنتائج النهائية".
تراجع سياسي داخلي متصاعد
على الصعيد الداخلي، يواجه نتنياهو ضغوطًا سياسية متزايدة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في ظل تراجع ملحوظ في نسب التأييد الشعبي للحكومة والحرب.
وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين لا ترى أن الحرب حققت أهدافها، بينما تتراجع ثقة الناخبين في القيادة الحالية، مع ارتفاع نسبة من يعتبرون الأداء الحكومي "ضعيفًا أو سيئًا".
ورغم ذلك، يواصل نتنياهو الدفاع عن سياساته، مؤكدًا أن إسرائيل حققت "إنجازات استراتيجية كبرى"، وأنها تمكنت من "إضعاف البرنامج النووي والصواريخ والنظام الإيراني"، على حد تعبيره.
ومن المقرر أن تُجرى انتخابات الكنيست المقبلة في إسرائيل في أكتوبر 2026 إذا استكملت الحكومة ولايتها القانونية، إلا أن هذا الموعد يظل نظريًا في ظل الطبيعة غير المستقرة للمشهد السياسي الإسرائيلي، حيث يبقى احتمال تقديم الانتخابات واردًا في حال تفكك الائتلاف الحاكم أو تعثر تمرير الموازنة أو تصاعد الضغوط السياسية والأمنية.
فجوة بين النجاح والنتائج
يرى محللون أن الحملة العسكرية الإسرائيلية اعتمدت بشكل أساسي على التفوق الجوي والضربات الدقيقة، وهو ما حقق نتائج تكتيكية واضحة، لكنه لم يُترجم إلى نهاية سياسية للصراع.
ويقول سيترينوفيتش إن بعض التصورات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي كانت تفترض أن الضغط العسكري المكثف أو استهداف القيادات قد يؤدي إلى انهيار النظام الإيراني، لم تثبت صحتها على أرض الواقع.
كما يشير خبراء آخرون إلى أن سياسة الاغتيالات المستهدفة، حتى مع مقتل شخصيات بارزة داخل إيران، لم تحقق تغييرًا جذريًا، إذ يتم تعويض القيادات بسرعة، ما يقلل من أثر هذه الاستراتيجية على المدى الطويل.
توتر داخل الحكومة
وفي خلفية المشهد السياسي، تتزايد التساؤلات داخل إسرائيل حول إدارة الحرب ومسارها، خاصة بعد تقارير تحدثت عن أن بعض قرارات وقف إطلاق النار أو التهدئة لم تُعرض على نتنياهو إلا في مراحل متأخرة.
وتشير مصادر سياسية إلى أن رئيس الوزراء حاول لاحقًا التأكيد على أنه ليس خارج دائرة القرار، في وقت يسعى فيه لإظهار تماسك حكومته أمام الرأي العام.
كما أطلق نتنياهو حملة إعلامية داخلية للتأكيد على أن كلفة الحرب مبررة مقارنة بما يعتبره "إنجازات استراتيجية" ضد إيران.
وتقدّر وزارة المالية الإسرائيلية أن كلفة العمليات العسكرية بلغت نحو 11.5 مليار دولار، شملت جزءًا كبيرًا من الإنفاق الدفاعي والعملياتي.
معضلة استراتيجية مفتوحة
على المستوى الإقليمي، يحذر دبلوماسيون من أن غياب الحسم العسكري قد يطيل أمد الصراع ويزيد من تعقيداته، خاصة مع استمرار التوتر في غزة والضفة الغربية ولبنان، إلى جانب المواجهة المفتوحة مع إيران.
ويرى بعضهم أن أي تقدم دبلوماسي سريع بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يضع نتنياهو أمام تحديات سياسية إضافية، في حال لم ينسجم مع أهداف حكومته.
وفي المقابل، تواصل إيران تعزيز خطابها القائم على القدرة على الصمود، مع الإشارة إلى أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالحها الإقليمية وقدرتها على التأثير في الممرات البحرية الحيوية.
ويخلص محللون إلى أن الحرب، رغم تفوق إسرائيل العسكري فيها، ما زالت مفتوحة على نتائج سياسية غير محسومة، وأن الفجوة بين الإنجاز الميداني والنتيجة الاستراتيجية قد تشكل التحدي الأكبر لنتنياهو في المرحلة المقبلة.